""""""صفحة رقم 103""""""
فأما الحديث فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يجيز غير بالغ ، فإنه روي ' أن رجلا
عرض على النبي عليه الصلاة والسلام ابنه فرده ، فقال: يا رسول الله أترد ابني وتجيز رافعا
وابني يصرع رافعا ؟ فأمرهما فاصطرعا فصرعه فأجازه ' . وأدنى مدة يصدق الغلام فيها على
البلوغ اثنا عشرة سنة ، والجارية تسع سنين ، وقيل غير ذلك ، وهذا هو المختار( وإذا راهقا
وقالا بلغنا صدقا )لأن ذلك لا يعرف إلا من جهتهما ، فيصدقان فيه إذا احتمل الصدق .
قال:( ولا يحجر على الحر العاقل البالغ ، وإن كان سفيها ينفق ماله فيما لا مصلحة له
فيه )وقالا: نحجر عليه ويمنع من التصرف في ماله نظرا له ، لأنا حجرنا على الصبي
لاحتمال التبذير ، فلأن نحجر على السفيه مع تيقنه كان أولى ، ولهذا يمنع عنه ماله ولا فائدة
فيه بدون الحجر ، لأنه يمكنه التبذير بما يعقده من البياعات الظاهرة الخسران ، وقد روي ' أنه
عليه الصلاة والسلام باع على معاذ ماله وقضى ديونه ' وباع عمر رضي الله عنه مال أسيفع
جهينة لسفهه . ولأبي حنيفة ما روي ' أن حبان بن منقذ كان يغبن في البياعات فطلب أولياؤه
من النبي عليه الصلاة والسلام الحجر عليه ، فقال له: إذا ابتعت فقل لا خلابة ولي الخيار
ثلاثة أيام ولم يحجر عليه ' ولأنه مخاطب فلا يحجر عليه كالرشيد ، ولأنه لا يدفع الضرر
عنه بالحجر فإنه يقدر على إتلاف أمواله بتزويج الأربع وتطليقهن قبل الدخول وبعده في كل
يوم ووقت ، ولا معنى للحجر عليه لدفع الضرر عنه ، ولا يندفع ، ولأن الحجر عليه إهدار
لآدميته وإلحاق له بالبهائم ، وضرره بذلك أعظم من ضرره بالتبذير وإضاعة المال ، وهذا مما
يعزمه ذوو العقول والنفوس الأبية ، ولا يجوز تحمل الضرر الأعلى لدفع الضرر الأدنى حتى
لو كان في الحجر عليه دفع الضرر العام جاز كالمفتي الماجن ، الطبيب الجاهل ، والمكاري
المفلس لعموم الضرر من الأول في الأديان ، ومن الثاني في الأبدان ، ومن الثالث في
الأموال .
وأما حديث معاذ قلنا: إنما باع ماله برضاه ، لأن معاذا لم يكن سفيها ، وكيف يظن به
ذلك وقد اختاره ( صلى الله عليه وسلم ) للقضاء وفصل الحكم ، وكذلك بيع عمر رضي الله عنه ، وقيل كان بيع
الدراهم بالدنانير وأنه جائز ، والحجر عليه أبلغ عقوبة من منع المال فلا يقاس عليه ، ومنع
المال عنه مفيد لأن غالب السفه يكون في الهبات والنفقات فيما لا مصلحة فيها ، وذلك إنما
يكون باليد ؛ وإذا حجر عليه القاضي ورفع إلى قاض آخر فأبطله جاز ، لأن القضاء الأول