""""""صفحة رقم 29""""""
قول أبي حنيفة أنه استهلاك من كل وجه لتعذر وصوله إلى عين حقه ، والقسمة مترتبة على
الشركة فلا تكون موجبة لها ، فلو أبرأ المودع الخالط برئ أصلا ، وعندهما يبرأ من الضمان
فتتعين الشركة في المخلوط .
( وكذا إن أنفق بعضها ثم رد عوضه وخلطه بالباقي ) فهو استهلاك على الوجه الذي
بينا . قال: ( ولو اختلط بغير صنعه فهو شريك ) بالاتفاق لأنه لا صنع له فيه فلا ضمان عليه
فتتعين الشركة . قال:( ولو تعدى فيها بالركوب أو اللبس أو الاستخدام أو أودعها ثم زال
التعدي لم يضمن )لزوال الموجب للضمان ، ويد الأمانة باقية بإطلاق الأمر الأول لأنه لم
يرتفع من جهة صاحب الحق لكن ارتفع حكمه لوجود ما ينافيه ثم زال المنافي فعاد حكم
الأمر الأول ( ولو أودعها فهلكت عند الثاني فالضمان على الأول ) خاصة . وقالا: يضمن أيهما
شاء ، لأن الأول خالف لما بينا ، والثاني تعدى حيث قبض ملك غيره بغير أمره ، فإن ضمن
الأول لا يرجع على الثاني لأنه ملكه بالضمان مستندا فيكون مودعا ملكه ، وإن ضمن الثاني
رجع على الأول لأنه إنما لحقه ذلك بسببه . ولأبي حنيفة أن التفريط إنما جرى من الأول ،
لأن مجرد الدفع لا يوجب الضمان حتى لو هلكت والأول حاضر لا يضمن ، فإذا غاب
الأول فقد ترك الحفظ فيضمن والثاني لم يترك .
قال: ( فإن طلبها صاحبها فجحدها ثم عاد اعترف ضمن ) لأن بالطلب ارتفع عقد
الوديعة فصار غاصبا بعده ، وبالاعتراف بعد ذلك لم يوجد الرد إلى نائب المالك بخلاف
مسألة المخالفة ثم المرافقة ، لأن يد الوديعة لم ترتفع فوجد الرد إلى يد النائب ، ولو جحدها
عند غير المالك لم يضمن . وقال زفر: يضمن لأنه جحد الوديعة . ولنا أنه من باب الحفظ
لما فيه من قطع الأطماع عنها ، ولأنه ربما يخاف عليها ممن جحدها عنده ، وهذا المعنى
معدوم إذا جحدها عند المالك ، فإن جحدها ثم جاء بها فقال له صاحبها دعها وديعة عندك
فهلكت ، فإن أمكنه أخذها فلم يأخذها لم يضمن لأنه إيداع جديد كأنه أخذها ثم أودعها ،
وإن لم يمكنه أخذها ضمن لأنه لم يتم الرد .
قال:( وللمودع أن يسافر بالوديعة وإن كان لها حمل ومؤونة ما لم ينهه إذا كان الطريق
آمنا )لإطلاق الأمر ، والغالب السلامة إذا كان الطريق آمنا ، ولهذا يملكه الوصي والأب ،
بخلاف الركوب في البحر ، لأن الغالب فيه العطب . وقالا: ليس له ذلك إلا إذا كان له حمل
ومؤونة ، لأن الظاهر عدم الرضا لما يلزمه من مؤونة الحمل . قلنا يلزمه ذلك ضرورة امتثال