""""""صفحة رقم 150""""""
يقول لها اختاري فتقول اخترت نفسي لأن ذلك عرف بإجماع الصحابة ، وأنه المفسر من أحد
الجانبين ، ولأن المبهم لا يصلح تفسيرا للمبهم ، حتى لو قال لها اختاري ، فقالت اخترت
فليس بشيء ، لأن الاختيار ليس من ألفاظ الطلاق وضعا ، وإنما جعل بالسنة فيما إذا كان
مفسرا ، فإذا لم يكن كذلك لا يقع به شيء ، ولأن قوله اختاري ، وقولها اخترت ليس له
مخصص بها فلا يقع الطلاق ، فإذا ذكرت النفس تخصص الاختيار لها فيقع . وقال في
المحيط: ولا بد من ذكر النفس أو التطليقة أو الاختيارة في أحد الكلامين لوقوع الطلاق ؛
أما ذكر النفس فلما ذكرنا ؛ وأما ذكر التطليقة فظاهر ؛ وأما الاختيارة فلأن الهاء تنبئ عن
التفرد ، واختيارها نفسها هو الذي يتحد مرة ويتعدد أخرى ، فصار مفسرا من جانبه . والقياس
أن لا يقع بالتخيير طلاق وإن نوى ، لأنه لا يملك إيقاع الطلاق بهذا اللفظ فلا يملك
التفويض إلى غيره ، ولأن قولها أنا أختار نفسي يحتمل الوعد فلا يكون جوابا مع الاحتمال .
وجه الاستحسان إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، ولأن الشرع جعل هذا إيجابا وجوابا لما
روي أنه لما نزل قوله تعالى: ) يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا
وزينتها ( [ الأحزاب: 28 ] الآية ، ' بدأ رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) بعائشة رضي الله عنها ، فقال: إني
أخبرك بشيء فما عليك إلا تجيبيني حتى تستأمري أبويك ثم أخبرها بالآية ، فقالت: أفي هذا
أستأمر أبوي يا رسول الله ؟ لا ، بل أختار الله ورسوله ' وأرادت بذلك الاختيار للحال ،
وأعده رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جوابا وإيجابا ، ولأن له أن يستديم النكاح وله أن يفارقها ، فله أن
يقيمها مقام نفسه في ذلك .
( ولو قال لها: اختاري اختاري اختاري ، فقالت: اخترت اختيارة ، أو قالت: اخترت
الأولى أو الوسطى أو الأخيرة فهي ثلاث ) ولا يحتاج إلى نية الزوج ، لأن تكرار هذا الكلام إنما
يكون في الطلاق دون غيره . أما قولها اختيارة فلأنها للمرة ، ولو صرحت بالمرة كانت ثلاثا
فكذا هذا ، ولأنها للتأكيد والتأكيد بوقوع الثلاث . وأما قولها الأولى أو الوسطى أو الأخيرة
فمذهب أبي حنيفة . وقالا تقع واحدة ، لأن ذكر الأولى أو الوسطى أو الأخيرة إن كان لا يفيد
الترتيب يفيد الإفراد لأنه يدل عليه فيعتبر فيه . وله أنها إنما تنصرف فيما ملكته ، إذ المجتمع
في الملك كالمجتمع في المكان ، وذلك لا يحتمل الترتيب ، فإن القوم المجتمعين في مكان
لا يقال هذا أول وهذا آخر ، ويقال هذا جاء أولا وهذا آخرا ، فيكون الترتيب في مجيئهما لا
في ذاتهما ، وإذا كان كذلك لغا قولها الأولى أو الوسطى فبقي قولها اخترت ؛ ولو قالت
اخترت وسكتت وقعت الثلاث كذا هذا . ( ولو قالت: طلقت نفسي أو اخترت نفسي بتطليقة