""""""صفحة رقم 154""""""
شئت . ولأبي حنيفة أن من حقيقة للتبعيض ، وما للتعميم فيعمل بهما ، فجعلنا المفوض إليها
بعض الثلاث ، لكن بعضا له عموم وهو ثنتان ، وإنما ترك التبعيض في النظير لدلالة الحال ،
وهو إظهار السماحة والكرم .
ولو قال: إن شئت فأنت طالق إذا شئت ، فهما مشيئتان: إحداهما على المجلس ،
والثانية مطلقة معلقة بالوقت ، فإن قامت بطلتا أما المؤقتة فلتوقتها بالمجلس ، وأما المطلقة
فلتعلقها بها ، وإن شاءت يصير كأنه قال لها في ذلك الوقت: أنت طالق إذا شئت ، ولو قيل
له: ألك امرأة ؟ قال: لا ونوى الطلاق وقع ، ذكره في المحيط وقال هو الصحيح ؛ وكذا لو
قالت: لست لي بزوج ، فقال الزوج: صدقت ونوى الطلاق ؛ وكذا قوله: لست لي بامرأة ،
أو ما أنت لي بامرأة ، أو لست لك بزوج ، أو ما أنا لك بزوج ونوى الطلاق يقع ؛ وقالا: لا
يقع لأنه إخبار كذب فلا يقع وإن نوى . وله أنه يحتمل الطلاق بالإضمار تقديره: لست لي
بامرأة لأني طلقتك ، وإذا احتمل ذلك ونواه صحت نيته فيقع الطلاق .
ولو قال له آخر: هل امرأتك إلا طالق ؟ فقال الزوج: لا طلقت ولو قال نعم لا تطلق ،
لأن قوله نعم معناه نعم امرأتي غير طالق ، وقوله لا معناه ليس امرأتي إلا طالق ؛ ولو قال
لامرأته: قولي أنا طالق لم تطلق حتى تقول لأنه أمر بالإنشاء ؛ ولو قال لغيره: قل لامرأتي
إنها طالق طلقت قال أو لم يقل ، لأنه أمره بالإخبار وأنه يستدعي سبق المخبر به ؛ ولو قال
له آخر: إن لم تقض حقي اليوم فامرأتك طالق ، قال نعم وأراد جوابه انعقدت يمينه ، لأن
الجواب يستدعي إعادة السؤال ، فكأنه قال: نعم امرأتي طالق إن لم أقض حقك ؛ ولو قال
لها: اعتدي اعتدي اعتدي وقال نويت واحدة صدق ديانة ويقع ثلاثا في القضاء ؛ ولو قال:
عنيت بالثانية العدة صدق قضاء ؛ ولو قال: نويت بالأولى طلاقا ولم أنو بالثانية والثالثة شيئا
فهي ثلاث لأنهما في حال مذاكرة الطلاق فتتعين له .
ومن الكنايات الكتابة ، فإذا كتب طلاق امرأته في كتاب أو لوح أو على حائط أو أرض
لا يقع إلا بنية . وأصله أن الكتابة حروف منظومة تدل على معان مفهومة كالكلام ، وكتب
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قامت مقام قوله في الدعاء إلى الإسلام حتى وجب على كل ممن بلغته ،
فنقول: إذا كتب ما لا يستبين أو كتب في الهواء فليس بشيء ، لأن ما لا يستبين في الكتابة
كالمجمجة والكلام الغير المفهوم ، وإذا كتب ما يستبين فلا يخلو إما إن كان على وجه
المخاطبة أو لا ، فإن لم يكن على وجه المخاطبة مثل أن يكتب امرأته طالق فإنه يتوقف على
النية ، لأن الكتابة تقوم مقام الكلام كالكتابة مع الصريح ، وإن كتب على وجه الخطاب