""""""صفحة رقم 71""""""
من هذا الكوز فصب في كوز آخر ، وهذه المسألة تشهد لأبي حنيفة لاختصاص اليمين
عندهم بدجلة دون ما انتقل إليه ماؤها وهذا إذا لم يذكر الماء ، وأما إذا قال: من ماء دجلة
فإنه يحنث بالكرع وبالإناء وبالغرف ومن نهر آخر ، لأن اليمين عقدت على الماء دون النهر
وقد وجد .
قال: ( ولو حلف لا يشرب من الحب أو البئر يحنث بالإناء ) وهذا في البئر ظاهر لأنه
لا يمكن الشرب منها إلا بإناء حتى قالوا: لو نزل البئر وكرع لا يحنث ، لأن الحقيقة
والمجاز لا يجتمعان تحت لفظ واحد والحقيقة مهجورة ؛ وأما الحب إن كان ملآنا يمكن
الشرب منه لا يحنث بالاعتراف والإناء لتعينه . ولو حلف لا يشرب من هذا الإناء فهو عن
الشرب بعينه لأنه المتعارف فيه .
قال: ( والسمك والألية ليسا بلحم ) فإن حلف لا يأكل لحما فأي لحم أكل من جميع
الحيوان غير السمك حنث سواء أكله طبيخا أو مشويا أو قديدا وسواء كان حلالا أو حراما:
كالميتة ولحم الخنزير والآدمي ، ومتروك التسمية وذبيحة المجوسي وصيد الحرم ، لأن اسم
اللحم يتناول الجميع ولا يختلف باختلاف صفة اللحم وصفة الذابح . فأما السمك وما يعيش
في الماء لا يحنث به لأنه لا يدخل تحت إطلاق اسم اللحم ، ألا ترى أنهم يقولون: ما
أكلت لحما وقد أكل السمك ، والمعتبر في ذلك الحقيقة دون لفظ القرآن ، ألا ترى أنه لو
حلف لا يركب دابة فركب كافرا لا يحنث وإن سماه الله تعالى دابة في قوله: ) إن شر
الدواب عند الله الذين كفروا ( [ الأنفال: 55 ] وكذا لو خرب بيت العنكبوت لا يحنث في
يمينه لا يخرب بيتا ، وكذا لا يحنث بالقعود في الشمس لو حلف لا يقعد في السراج إلى
غير ذلك ، وإنما المعتبر في ذلك المتعارف ، وكذلك الألية وشحم البطن ليسا بلحم لأنهما لا
يستعملان استعمال اللحم ولا يتخذ منهما ما يتخذ من اللحم ولا يسميان لحما عرفا ، وإن
نواه أو نوى السمك يحنث لأنه تشديد على نفسه .
قال: ( والكرش والكبد و الرئة والفؤاد والكلية والرأس والأكارع والأمعاء والطحال لحم )
لأنها تباع مع اللحم ، وهذا في عرفهم على ما رواه أبو حنيفة في زمنه بالكوفة . وأما البلاد
التي لا تباع فيها مع اللحم فلا يحنث اعتبارا للعرف في كل بلدة وكل زمان . وأما شحم
الظهر فهو لحم ، ويقال له لحم سمين ، ويستعمل فيها يستعمل فيه اللحم . قال:( والشحم
شحم البطن )فلو حلف لا يأكل شحما فأكل شحم الظهر لا يحنث لأنه من اللحم ويقال له
لحم سمين كما قدمنا ، وقالا: يحنث لأن اسم الشحم يتناوله وهذا في عرفهم ، وفي عرفنا: