""""""صفحة رقم 85""""""
قال:( فإذا بينوا ذلك وذكروا أنها محرمة عليه من كل وجه ، وشهدوا به كالميل في
المكحلة وعدلوا في السر والعلانية حكم به )لثبوته بالبينة ، وكيفية التعديل ذكرناه في
الشهادات ، ولم يكتف أبو حنيفة رحمه الله بظاهر العدالة في الحدود احتيالا للدرء المندوب
إليه ( فإن نقصوا عن أربعة فهم قذفة ) يحدون للقذف إذا طلب المشهود عليه لأنه تعالى
أوجب الحد عند عدم شهادة الأربع ، وكذلك إن جاءوا متفرقين إلا أن يكون في مجلس
واحد في ساعة واحدة ، لأن قولهم احتمل أن يكون شهادة ، واحتمل أن يكون قذفا ، وإنما
تتميز الشهادة عن القذف إذا وقعت جملة ، ولا يمكن ذلك دفعة واحدة منهم فاعتبرنا اتحاد
المجلس وإن شهدوا أنه زنى بامرأة لا يعرفونها لم يحد لقيام الشبهة لاحتمال أنها زوجته أو
أمته .
قال: ( وإن رجعوا قبل الرجم سقط وحدوا ) أما سقوط الحد فلبطلان الشهادة بالرجوع ؛
وأما وجوب الحد عليهم فلأنهم قذفة ( وإن رجعوا بعد الرجم يضمنون الدية ) لأنهم تسببوا
إلى قتله ، والمتسبب تجب عليه الدية كحافر البئر ( وإن رجع واحدا فربعها ) لأنه تلف بشهادته
ربع النفس ؛ أو نقول: بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق فيكون التالف بشهادته ربع
الحق ، ولا وجه إلى وجوب القصاص لأنه متسبب ولا قصاص على المتسبب ، ويحد حد
القذف مع الدية خلافا لزفر لأنه قذف حيا ومات فبطل ؛ وإن كان قذف ميتا فقد رجم بقضاء
فأورث شبهة .
ولنا أن الشهادة إنما تصير قذفا بالرجوع فيجعل قاذفا للميت حالة الرجوع فقد بطلت
الحجة فبطل القضاء الذي يبتني عليها فلا يورث شبهة ؛ وإن رجعوا بعد الجلد فالحد لما مر
ولا يضمنون أرش السياط ، وكذلك إن مات من الجلد ، وقالا: يضمنون ، وإن رجع واحد
فعليه ربع الأرش ، وإن مات فربع الدية لأنه من الجلد وقد حصل بسبب الشهادة ، فكان
الشاهد هو الموجب كما في الرجم . ولأبي حنيفة أن أثر الضرب والموت ليس موجب
الشهادة ، لأن الجلد قد يؤثر ولا يؤثر ، وقد يموت منه ولا يموت ، ولو كان موجب الشهادة
لما انفك عنها كما في الرجم ، وإذا لم يكن موجب الشهادة لا يلزم الشاهد ضمانه ، ولأنه لو
وجب إما أن يجب على الشاهد ولا وجه له لما بينا . أو على الجلاد ولا وجه له أيضا لأنه
مأذون في فعله لا على وجه البدل ، ولم يتعمد تجاوز ما أمر به كمعين القصار ، ولأنا لو
أوجبناه عليه لامتنع الناس من ذلك وفيه ضرر جلي ، أو على بيت المال ، ولا وجه له ، لأن
الحكم غير موجب له لأنه ينفك عنه غالبا فلا يجب كما قلنا في الشاهد .