""""""صفحة رقم 86""""""
قال: ( وإن شهدوا بزنا متقادم لم يمنعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام لم تقبل ) لما روي
أن عمر رضي الله عنه خطب فقال: أيما شهود شهدوا بحد لم يشهدوا عند حضرته فإنما هم
شهود ضغن لا تقبل شهادتهم ، ولأنها شهادة تمكنت فيها تهمة فتبطل . بيانه أن الشهود إذا
عاينوا الفاحشة فهم بالخيار إن شاؤوا شهدوا به حسبة لإقامة الحد ، وإن شاؤوا ستروا على
المسلم حسبة أيضا ، فإن اختاروا الأداء حرم عليهم التأخير ، لأن تأخير الحد حرام ، فيحمل
تأخيرهم على الستر حسبة حملا لهم على الأحسن ، فإذا أخروا ثم شهدوا اتهموا أنهم إنما
شهدوا لضغينة حملتهم على ذلك كما قال عمر رضي الله عنه ، وإن كان تأخيرهم لا لحسبة
الستر ثبت فسقهم وردت شهادتهم ، بخلاف الإقرار لأن الإنسان لا يعادي نفسه فلا يتهم ؛ ثم
التقادم في الحدود الخالصة لله تعالى يمنع قبول الشهادة إلا إذا كان التأخير لعذر كبعد
المسافة أو مرض ونحو ذلك ؛ فحد الزنا والشرب والسرقة خالص حق الله تعالى حتى يصح
رجوع المقر عنها فيكون التقادم فيها مانعا ؛ وحد القذف فيه حق العبد لما فيه من دفع العار
عنه ، ولهذا توقف على دعواه ولا يصح الرجوع عنه ، فالتقادم فيه لا يمنع قبول الشهادة لأن
الدعوى فيه شرط ، فاحتمل أن تأخيرهم لتأخير الدعوى فلا يتهمون في ذلك ؛ ولا يلزم حد
السرقة لأن الدعوى شرط للمال لا للحد ، لأن الحد خالص حق الله ، ولأن السرقة تكون في
السر والخفية من المالك فيجب على الشاهد إعلامه ، فبالتأخير يفسق أيضا . وأما حد التقادم
فأبو حنيفة لم يقدر في ذلك وفوضه إلى رأي الإمام كما هو دأبه .
وروى المعلى عن أبي يوسف قال: جهدنا بأبي حنيفة أن يوقّت في التقادم شيئا فأبى ،
لأن التقادم يختلف باختلاف الأحوال والأعذار ورده إلى اجتهاد الحاكم . وروى الحسن
ومحمد عن أبي حنيفة أنهم إذا شهدوا بعد سنة لم تقبل شهادتهم ، وهذا لا ينافي الأول لأنه
جعل السنة تقادما ولم يمنع ما دونها . وقال أبو يوسف ومحمد: إذا شهدوا بعد مضي شهر
فهو تقادم لأنه في حكم البعيد وما دونه في حكم القريب ، فوجب أن يقدر التقادم به إذا لم
يكن عذرا . وعن الطحاوي ستة أشهر .
( ويثبت بالإقرار ، وهو أن يقر العاقل البالغ أربع مرات في أربع مجالس يرده القاضي في
كل مرة حتى لا يراه ثم يسأله كما يسأل الشهود إلا عن الزمان ، فإذا بين ذلك لزمه الحد ) أما
اشتراط العقل والبلوغ فلأنهما شرط للتكاليف ، وأما اشتراط الأربع فلما روي أن ماعز بن
مالك أقر عند النبي عليه الصلاة والسلام فأعرض عنه ، فعاد فأقر فأعرض عنه ، فعاد الثالثة
فأقر فأعرض عنه ، فعاد الرابعة فأقر ، فقال عليه الصلاة والسلام: ' الآن أقررت أربعا