""""""صفحة رقم 131""""""
يسعى بذمتهم أدناهم ' أي أن الواحد يسعى بذمة جميعهم . وروي ' أن زينب بنت رسول
الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمّنت زوجها ، فأجاز ( صلى الله عليه وسلم ) أمانها ، وأجارت أم هانئ رجلين من المشركين ، فأراد
علي أن يقتلهما وقال لها: أتجيرين المشركين على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ فقالت: والله لا تقتلهما
حتى تقتلني دونهما ، ثم أغلقت دونه الباب وجاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبرته
بذلك ، فقال: ' ما كان له ذلك فقد أجرنا من أجرت وأمّنّا من أمّنت ' فعلم أن أمان الواحد
جائز ؛ وإذا جاز أمانه لا يجوز لأحد التعرض له بقتل ولا أخذ مال كما لو آمنه الإمام .
قال: ( فإن كان فيه مفسدة أدّبه الإمام ) لافتياته على رأيه ، بخلاف ما إذا كان فيه
مصلحة ، لأنه ربما يفوت بالتأخير فيعذر . قال: ( ونبذ إليهم ) لأن الإمام إذا أمّنهم أو
صالحهم ثم رأى النبذ أصلح نبذ إليهم فهذا أولى ، وينبغي للإمام إذا جاؤوه بالأمان أن
يدعوهم إلى الإسلام أو إلى إعطاء الجزية ، فإن أجابوه إلى الإسلام فبها ونعمت ، وإن أبوا
وأجابوا إلى الجزية قبلت منهم وصاروا ذمة ، وإن أبوا ردهم إلى مأمنهم وقاتلهم ، قال
تعالى: ) ثم أبلغه مأمنه ( [ التوبة: 6 ] ولأنه لا يجوز التعرض لهم مع الأمان ، ولا يجوز
تركهم على الكفر من غير جزية فيعرض عليهم الإسلام أو الجزية التي يستحق معها الأمان ،
فإن أبوا لم يجز تركهم فيردهم ثم يقاتلوهم كما لو خرجوا إلينا بأمان .
قال: ( ولا يصح أمان ذمي ولا أسير ، ولا تاجر فهيم ، ولا من أسلم عندهم وهو فيهم )
لأن الذمي متهم ولا ولاية له على المسلمين ، والباقون مقهورون عندهم فلا يخافونهم فلا
يكونون من أهل البيان على ما بينا ، ولأنه لو انفتح هذا الباب لانسد باب الفتح ، لأنهم كلما
اشتد الأمر عليهم لا يخلون عن أسير أو تاجر فيتخلصون به وفيه ضرر ظاهر .
قال: ( ولا أمان عبد محجور عن القتال ) وقال محمد: يصح ، وقول أبي يوسف
مضطرب . لمحمد قوله عليه الصلاة والسلام: ' يسعى بذمتهم أدناهم ' وقياسا على المأذون
له في القتال ، ولأبي حنيفة أنهم آمنون منه ، فلا يصح أمانه كالأسير والتاجر ، ولأنه إنما لم
يملك العقود لما فيها من إسقاط حق المولى ، فلا يملك ما فيه إسقاط حق المولى وسائر
المسلمين ، وهو الأمان بطريق الأولى ، بخلاف المأذون ، لأنه لما أذن له في القتال فقد جعل
إليه الرأي في القتال ، وتارة يكون الرأي في القتال ، وتارة في الكف عنه ، فلذلك جاز أمانه ،