""""""صفحة رقم 172""""""
اعتبار السعة ؛ وقيل إذا رفع إليه أول مرة نهاه عن الاحتكار ، فإن رفع إليه ثانيا حبسه وعزره
بما يرى زجرا له ودفعا للضرر عن الناس . قال محمد: أجبر المحتكرين على بيع ما احتكروا
ولا أسعر ، ويقال له: بع كما يبيع الناس وبزيادة يتغابن في مثلها ولا أتركه يبيع بأكثر .
والأصل في ذلك ما روي ' أن السعر غلا بالمدينة فقالوا: يا رسول الله لو سعرت ؟ فقال: إن
الله هو المسعر ' ولأن التسعير تقدير الثمن وإنه نوع حجر . وقول محمد: أجبرهم على
البيع يحتمل وجهين: إما لما فيه من المصلحة العامة أو بناء على قولهما في الحجر .
قال: ( ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس ) لما بينا . قال:( إلا أن يتعدى أرباب
الطعام تعديا فاحشا في القيمة فلا بأس بذلك بمشورة أهل الخبرة به )لأن فيه صيانة حقوق
المسلمين عن الضياع ، وقد قال أصحابنا: إذا خاف الإمام على أهل مصر الضياع والهلاك
أخذ الطعام من المحتكرين وفرقه عليهم فإذا وجدوا ردوا مثله ، وليس هذا حجرا وإنما هو
للضرورة كما في المخمصة ، ولو سعر السلطان على الخبازين الخبز فاشترى رجل منهم
بذلك السعر والخباز يخاف إن نقصه ضربه السلطان لا يحل أكله لأنه في معنى المكره ،
وينبغي أن يقول له: بعني بما تحب ليصح البيع ؛ ولو اتفق أهل بلد على سعر الخبز واللحم
وشاع بينهم فدفع رجل إلى رجل منهم درهما ليعطيه فأعطاه أقل من ذلك والمشتري لا يعلم
رجع عليه بالنقصان من الثمن ، لأنه ما رضي إلا بسعر البلد . وقال أبو يوسف: الاحتكار في
كل ما يضر بالعامة نظرا إلى أصل الضرر . وقال محمد: الاحتكار في أقوات الآدميين كالتمر
والحنطة والشعير ، وأقوات البهائم كالقت نظرا إلى الضرر المقصود . واختلفوا في مدة
الاحتكار ، قيل أقلها أربعون يوما كما ورد في الحديث وما دون ذلك فليس باحتكار لعدم
الضرر بالمدة القصيرة ؛ وقيل أقله شهر لأن ما دونه عاجل ، ثم قيل يأثم بنفس الاحتكار وإن
قلت المدة ، وإنما بيان المدة لبيان أحكام الدنيا .
فالحاصل أن التجارة في الطعام مكروه فإنه يوجب المقت في الدنيا والإثم في الآخرة .
قال: ( ولا بأس ببيع العصير ممن يعلم أنه يتخذه خمرا ) لأن المعصية لا تقوم بعينه بل بعد
تغيره . قال: ( ومن حمل خمرا لذمي طاب له الأجر ) وقالا: يكره لأنه أعانه على المعصية .
وفي الحديث ' لعن الله في الخمر عشرا ' وعد منهم حاملها . وله أن المعصية شربها ،