""""""صفحة رقم 182""""""
الحنطة وسقاها وحصدها وداسها وطحنها وعجنها وخبزها وأكلها ؛ ونوح كان نجارا ،
وإبراهيم كان بزازا ، وداود كان يصنع الدروع ، وسليمان كان يصنع المكاتل من الخوص ،
وزكريا كان نجارا ، ونبينا رعي الغنم ، وكانوا يأكلون من كسبهم ، وكان الصديق رضي الله
عنه بزازا ، وعمر يعمل في الأديم ، وعثمان كان تاجرا يجلب الطعام فيبيعه ، وعلي كان
يكتسب فقد صح أنه كان يؤاجر نفسه ، ولا تلتفت إلى جماعة أنكروا ذلك وقعدوا في
المساجد أعينهم طامحة وأيديهم مادة إلى ما في أيدي الناس يسمون أنفسهم المتوكلة ،
وليسوا كذلك ، يتمسكون بقوله تعالى: ) وفي السماء رزقكم وما توعدون( [ الذاريات: 22 ]
وهم بمعناه وتأويله جاهلون ، فإن المراد به المطر الذي هو سبب إنبات الرزق ، ولو كان
الرزق ينزل علينا من السماء لما أمرنا بالاكتساب والسعي في الأسباب ، قال تعالى: ) فامشوا
في مناكبها وكلوا من رزقه ( [ الملك: 15 ] وقال تعالى: ) أنفقوا من طيبات ما كسبتم(
[ البقرة: 267 ] .
وفي الحديث ' إن الله تعالى يقول: يا عبدي حرك يدك أنزل عليك الرزق ' وقال
تعالى: ) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ( [ مريم: 25 ] وكان تعالى قادرا
أن يرزقها من غير هز منها ، لكن أمرها ليعلم العباد أن لا يتركوا اكتساب الأسباب ، فإن الله
تعالى هو الرزاق ونظير هذا خلق الإنسان ، فإن الله تعالى قادر على خلقه لا من سبب ولا
في سبب كآدم عليه السلام ، ويخلق من سبب لا في سبب كحواء ، وقد يخلق في سبب لا
من سبب كعيسى ، وقد يخلق من سبب في سبب كسائر بني آدم ؛ فطلب العبد الولد بالنكاح
لا ينفي كون الخالق هو الله تعالى ، فكذلك طلبه الرزق بأسبابه لا ينفي كون الرازق هو الله
تعالى ، والدلائل على ذلك كثيرة والأحاديث الواردة فيه متوافرة ، وكتابنا هذا يضيق عن
استيعابها ، وفي هذا بلاغ ومقنع .
وطلب العلم فريضة ، قال عليه الصلاة والسلام: ' طلب العلم فريضة على كل مسلم
ومسلمة ' وهو أقسام: فرض ، وهو مقدار ما يحتاج إليه لإقامة الفرائض ومعرفة الحق من
الباطل ، والحلال من الحرام ، وهو محمل الحديث ؛ ومستحب وقربة كتعليم ما لا يحتاج إليه
ليعلم من يحتاج إليه كالفقير يتعلم أحكام الزكاة والحج ليعلمها من وجبا عليه ، وكذلك تعلم
الفضائل والسنن كالأذان والإقامة والجماعة وسنة الختان ونحوها ، ومباح وهو الزيادة على
ذلك للزينة والكمال ؛ ومكروه وهو التعلم ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء ، قال عليه
الصلاة والسلام: ' من تعلم علما ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء ألجم بلجام من نار يوم