""""""صفحة رقم 65""""""
عما وجب بالصلح والاعتراف أو سقط القتل فيه بشبهة كالأب ، وإنما وجبت دية شبه
العمد على العاقلة لحديث الجينن ، ألا ترى أنها تعمدت ضربها بالعمود فقضى عليه الصلاة
والسلام بالدية على العاقلة ، ولأنه قتل أجري كالخطأ في باب الدية فكذلك في تحمل
العاقلة . وقضى عمر رضي الله عنه بالدية في الخطأ على العاقلة بحضرة الصحابة من غير
خلاف .
قال: ( فإن كان القاتل من أهل الديوان فهم عاقلته ) وهم الذين لهم رزق في بيت
المال ، وفي زماننا هم أهل العسكر لكل راية ديوان على حدة ، وذلك لأن العرب كانوا
يتناصرون بأسباب منها القرابة والولاء والحلف وغير ذلك ، وبقوا على ذلك إلى زمن
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلما جاء عمر ودوّن الدواوين صار التناصر بالدواوين ، فأهل كل ديوان
ينصر بعضهم بعضا وإن كانوا من قبائل متفرقة . وقد صح أن عمر رضي الله عنه فرض
العقل على أهل الديوان وكان قبل ذلك على عشيرة الرجل في أموالهم ، لأنه أول من
وضع الديوان فجعل العقل فيه ، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فكان إجماعا
منهم ، وهو على وفاق ما قضى به رسول الله عليه الصلاة والسلام معنى ، فإنهم علموا أن
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قضى به على العشيرة باعتبار النصرة ثم الوجوب بطريق الصلة ، فإيجابه فيما
يصل إليهم صلة وهو العطاء أولى ، وأهل كل ديوان فيما يصل إليهم من ذلك كنفس
واحدة .
قال: ( ويؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين ) لما تقدم من حديث عمر وهو مروي
عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أيضا وتعتبر الثلاث سنين من يوم القضاء لأن الدية تجب يوم القضاء ،
وسواء خرجت في أقل أو أكثر لأنه إنما وجبت في العطاء تخفيفا ، فإذا حصلت في أي
وقت حصل وجد المقصود فيؤخذ منه ، فإن تأخر خروج العطاء لم يطالبوا بشيء ، وإن
تعجل الثلاث سنين أخذ منها الجميع لما ذكرنا ؛ وإذا وجب جميع الدية في ثلاث سنين
كان كل ثلث في سنة فإذا وجب الثلث فما دونه كان في سنة ، وما زاد على الثلث إلى
الثلثين في سنتين ، وما زاد إلى تمام الدية في السنة الثالثة ، وإن كانت العاقلة أصحاب
الرزق أخذ من أرزاقهم في ثلاث سنين ، فإن خرجت أرزاقهم في كل سنة أخذ منها
الثلث ، وإن خرجت في كل ستة أشهر أخذ منها السدس في كل شهر بحصته ، وعلى
هذا فالحاصل أنه يؤخذ في كل سنة الثلث كيفما خرج ، لأن الأرزاق لهم كالأعطية
لأهلها ، وإن كان لهم أرزاق في كل شهر وأعطية في كل سنة أخذ من أعطيتهم لأنه
أسهل ، فإن الرزق يكون بقدر الكفاية لكل شهر أو لكل يوم فيشق عليهم الأخذ منه . أما
العطاء فيكون في كل سنة بقدر عنائه واختباره في الحروب لا بحاجته فكان الأخذ منه
أسهل .