صفحة رقم 280
ثم قال تعالى ذكره: ( وأن تستقسموا بالأزلام( ، يعني وأن تستقسموا الأمور
بالأزلام ، والأزلام قدحان في بيت أصنامهم ، فإذا أرادوا أن يركبوا أمرا أتوا بيت
أصنامهم ، فضربوا بالقدحين ، فما خرج من شيء عملوا به ، وكان كتب على أحدهما:
أمرني ربي ، وعلى الآخر: نهاني ربي ، فإذا أرادوا سفرا أتوا ذلك البيت ، فغطوا عليه
ثوبا ، ثم يضربون بالقدحين ، فإن خرج السهم الذي فيه: أمرني ربي ، خرج في سفره ،
وإن خرج السهم الذي فيه: نهاني ربي ، لم يسافر ، فهذه الأزلام .
)ذلكم فسق ( ، يعني معصية حراما ، ) اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم ( ، يعني لا تخشوا الكفار ، ) واخشون ( في ترك أمرى ، ثم قال سبحانه:
( اليوم أكملت لكم دينكم ( ، يعني يوم عرفة ، لم ينزل بعدها حلال ولا حرام ، ولا
حكم ، ولا حد ، ولا فريضة ، غير آيتين من آخر سورة النساء: ( يستفتونك(
[ النساء: 176 ] ، )اليوم أكملت لكم دينكم ( ، يعني شرائع دينكم أمر الحلال والحرام ،
وذلك أن الله جل ذكره كان فرض على المؤمنين شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا
رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، والإيمان بالبعث ، والجنة ، والنار ، والصلاة ركعتين غدوة وركعتين
بالعشى شيئا غير مؤقت ، والكف عن القتال قبل أن يهاجر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وفرضت
الصلوات الخمس ليلة المعراج ، وهو بعد بمكة ، والزاكة المفروضة بالمدينة ، ورمضان ،
والغسل من الجنابة ، وحج البيت ، وكل فريضة .
فلما حج حجة الوداع ، نزلت هذه الآية يوم عرفة ، فبركت ناقة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لنزول
الوحي بجمع ، وعاش النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعدها إحدى وثمانين ليلة ، ثم مات يوم الاثنين لليلتين
خلتا من شهر ربيع الأول ، وهي آخر آية نزلت في الحلال والحرام ، ) اليوم أكملت لكم دينكم ( ، يعني شرائع دينكم أمر حلالكم وحرامكم ، ) وأتممت عليكم نعمتي( ، يعني
الإسلام إذ حججتم وليس معكم مشرك ، )ورضيت لكم الإسلام دينا ( ، يعني واخترت
لكم الإسلام دينا ، فليس دين أرضى عند الله عز وجل من الإسلام .
قال سبحانه: ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) [ آل عمران: 85 ] ، ثم قال عز وجل: ( فمن اضطر في مخمصة( ، يعني
مجاعة وجهد شديد أصابه من الجوع ، )غير متجانف لإثم( غير متعمد لمعصية ،
) ( فإن الله غفور رحيم ) [ آية: 3 ] ، إذا رخص له في أكل الميتة ، ولحم الخنزير ، حين