وَنَقَلَ إِجْمَاعَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ « مِنْ » هُنَا تَبْعِيضِيَّةٌ أَيْ مِنْ بَعْضِهِمْ (1) وَهَذَا كَذِبٌ لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا:
أَوَّلًا: إِنَّ « مِنْ » هُنَا عَلَى قَوْلِ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ لَيسَتْ لِلتَّبْعِيضِ. وَ إِنَّمَا [مِّنهُمْ] تَأْتِي عَلَى مَعْنيَينِ:
الْمَعْنَى الْأَوَّلُ: مِنْ جِنْسِهِمْ وَأَمْثَالِهمْ كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ] {الحج:30} . وَلَا يَعْنِي اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ نَجْتَنِبَ بَعْضَ الْأَوْثَانِ وَنَتْرُكَ بَعْضَهَا لَا نَجْتَنِبُهَا، بَلِ الْمَطْلُوبُ أَنْ نَجْتَنِبَ جَمِيعَ الْأَوْثَانِ، فَقُولُ اللهِ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْ ثَانِ أَيِ اجْتَنَبِوُا الرِّجْسَ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَوْثَانِ.
الْمَعْنى الثَّانِي: أَوْ تَكُونُ « مِنْ » هُنَا مُؤَكِّدَةً كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: [وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا] {الإِسْرَاء: 82} . لَيْسَ مَعْنَاهَا أَنَّ بَعْضَهُ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ، وَبَعْضَهُ الْآخَرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، أَبَدًا، بَلِ الْقُرْآنُ كُلُّهُ شِفَاءٌ وَرَحْمةٌ. فَـ [ مِنْ ] مُؤَكِّدَةٌ أَيْ: أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ.
فَقَولُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: [مِّنْهُمْ] أَي: مِنْ أَمْثَالِهمْ أَوْ مِنْهُمْ
(1) « ثُمَّ اهتديت » للمتشيع التّيجاني (117) .