لِلتَّأْكِيدِ عَلَيْهِمْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
ثَانِيًا: لِنَنْظُرْ إِلَى سِيَاقِ الْآيَةِ، كُلُّهَا مَدْحٌ لَيْسَ فِيهَا ذَمٌّ لِبَعْضِهِمْ بَلْ مَدْحٌ لِكُلِّهِم، كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: [أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمُ رُكَّعًا سُجَّدًا] فَزَكَّى اللهُ ظَاهِرَهُمْ بِالسُّجُودِ وَالرُّ كُوعِ وَالذُّلِّ لَهُ، وَزَكَّى بَاطِنَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: [يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا] لَا كَمَا قَالَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ: [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا] {النساء: 142} .
انْظُرْ كَيْفَ وَصَفَ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يُزَكِّ بَاطِنَهُمْ بَلْ كَذَّبَهُم فِي بَاطِنِهِمْ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُمْ أَنَّهُم يُصَلُّونَ مَعَ الْمُؤْمنِينَ، أَمَّا أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: [يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا] ، وَالْقَوْلُ بأنَّ « مِنْهُمْ » أَي مِنْ جِنْسِهِم، أَوْ لِلتَّأْكِيدِ عَلَى حَالِهمْ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ بَلْ كُلِّ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِيمَا أَعْلَمُ كَالنَّسَفِيِّ، وَابْنِ الْجَوزِيِّ، وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، وَالزَّمَخْشَرِيِّ، وَا لزَّجَّاجِ، وَالْعُكْبَرِيِّ، وَالنَّيْسَابُورِيِّ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَالطَّبَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، كُلُّ هَؤُلَاءِ لَمَّا تَكَلَّمُوا عَن هَذِهِ الْآيَةِ قَالُوا: إِنَّ « مِنْ » هُنَا مُؤَكِّدَةٌ أَوْ مُجَنِّسَةٌ وَلَيسَتْ تَبْعِيضِيَّةً كَمَا يَدَّعِي بَعْضُهُمْ (1) .
(1) وَانْظُرْ « إِعراب الْقُرآن وَصرفه وَبَيَانه » لمحمود صافي ج ه 2/26 ص 272.