وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا كَثُرَ فِيه « الْقِيلُ وَالقَالُ » مِن ذَلِكَ الْجَيْشِ بِسَبَبِ مَنْعِهِ إِيَّاهُمُ اسْتِعْمَالَ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَاسْتِرْجَاعِهِ مِنْهُمُ الْحُلَلَ الَّتي أَطْلَقَهَا لَهُمْ نَائِبُهُ لِذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ لَمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن حَجَّتِهِ وَتَفَرَّغَ مِن مَنَاسِكِهِ وَفِي طَرِيقِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَرَّ بِغَدِيرِ خُمٍّ فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَبَرَّأَ سَاحَةَ عَلِيٍّ، وَرَفَعَ قَدْرَهُ وَنَبَّهَ عَلَى فَضْلِهِ لِيُزِيلَ مَا وَقَرَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ (1) .
إِذًا: هَذَا هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي كَانَ سَبَبَ الْحَدِيثِ، هُم تَكَلَّمُوا فِي عَلِيٍّ، وَلِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَهُوَ فِي مَكَّةَ فِي أَيَّامِ مِنًى أَوْ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّمَا أَجَّلَ الْأَمْرَ إِلَى أَنْ رَجَعَ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ فِي السَّرِيَّةِ.
وَغَدِيرُ خُمٍّ فِي الْجُحْفَةِ، وَهِيَ تَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ تَقْرِيبًا مِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ كِيلُو مِتْرًا، وَالَّذِي يَقُولُ: إِنَّهُ مُفْتَرَقُ الْحَجِيجِ كَذَّابٌ؛ لِأَنَّ مُجْتَمَعَ الْحَجِيجِ مَكَّةُ، وَمُفْتَرَقَ الْحَجِيجِ مَكَّةُ، فَلَا يَكُونُ مُفْتَرَقُ الْحَجِيجِ بَعِيدًا عَنْ مَكَّةَ أَكْثَرَ مِن مِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ كِيلُو مِتْرًا أَبَدًا، فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَبْقَوْنَ فِي مَكَّةَ، وَأَهْلُ الطَّائِفِ يَرْجِعُونَ
(1) « الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة » (5/95) .