تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَمَّا عَلِيٌّ فَلَم يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْعَسْكَرِ مَعَهُ إِلَّا الَّذِينَ عَصَوْا أَمْرَ اللهِ أَوْ مَنْ أَمَرَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَقَاءِ فَاخْتَلَفَ الْأَمْرُ.
الثَّالِثُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا طَيَّبَ خَاطِرَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِأَنَّ عَلِيًّا هُوَ الَّذِي جَاءَ وَاشْتَكَى وَلَوْ لَمْ يَأْتِ عَلِيٌّ لِلنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَامَ فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَأَنَا مَا خَلَّفْتُكَ بُغْضًا لَكَ، أَتَعْلمُ أَنَّ مُوسَى لَمَّا خَرَجَ لِلِقَاءِ رَبِّهِ تَرَكَ هَارُونَ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مَنْقَصَةً لِهَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. كَذَلِكَ إِذَا خَرَجْتُ أَنَا وَتَرَكْتُكَ فِي الْمَدِينَةِ فَليْسَ هَذَا مَنْقَصَةً لَكَ، لِذَلِكَ لَوْ كَانَ غَيْرُ عَلِيٍّ وَ قِيلَ فِيهِ مَا قِيلَ فِي عَلِيٍّ وَجَاءَ لِلنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاشْتَكَى بِنَفْسِ الشَّكْوَى الَّتِي اشْتَكَاهَا عَلِيٌّ لَمَا كَانَ يَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْكَلَامَ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا اشْتَكَى عَلِيٌّ وَلَمْ يَشْتَكِ غَيْرُهُ لَمَّا تكَلَّمَ فِيهِ النَّاسُ، لِأَنَّ بَقِيَّةَ الْوُلَاةِ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْرُكُهُمْ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَةِ فَقَطْ بَلْ كَانَ يَسْتَخْلِفُهُمْ عَلَى رِجَالٍ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ بِالْجَيْشِ كُلِّهِ عَادَةً.
فَعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا رَأَى الْأَمْرَ كَأَنَّ فِيه مَنْقَصَةً وَتَكَلَّمَ الْمُنَافِقُونَ خَرَجَ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُه عَنْ سَبَبِ هَذَا التَّرْكِ فَبيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ عنْ كُرْهٍ، وَلَا كَمَا يَدَّعِي الْمُنَافِقُونَ، إِنَّمَا كَمَا أَبْقَى مُوسَى هَارُونَ، أَنَا أُبْقِيكَ فِي أَهْلِي.
الرَّابِعُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَم يُبْقِ عَلِيًّا خَلِيفَةً عَلَى الْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، بَلِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ خَاصَّةً، كَمَا يَذْكُرُ أَهْلُ السِّيَرِ