نَائِمًا سَكْرَانَ، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، فَخَارَ كَأَشَدِّ خُوَارِ ثَوْرٍ سُمِعَ قَطُّ، فَابْتَدَرَ الْحَرَسُ إِلَى الْمَقْصُورَةِ فَقَالُوا: مَا هَذَا؟ مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ (وكَانَتِ امْرَأَةً صَالِحَةً) : النَّبِيُّ يُوحَى إِلَيْهِ فَرَجَعُوا. فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْكَافِرُونَ الَّذِينَ لَمْ يُتَابِعُوهُ حَوْلَ الْحِصْنِ الَّذِي فِيهِ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ، فَنَادَى مُنَادِي الْمُسْلِمينَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ عَبْهَلَةَ كَذَّابٌ. وَأَلْقَى إِلَيْهِمْ رَأْسَهُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْأَسْوَدِ وَتَبِعَهُمُ النَّاسُ يَأْخُذُونَهم فِي كُلِّ طَرِيقٍ (1) .
* طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ:
كان طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ قَدِ ارْتَدَّ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَدَّ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ عَنِ الْإِسْلَامَ وَقَامَ بِمُؤَازَرَتِهِ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: وَاللهِ لَنَبِيٌّ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. وَقَدْ مَاتَ مُحَمَّدٌ وَهَذَا طُلَيْحَةُ فَاتِّبِعُوهُ. فَوَافَقَ قَوْمُهُ بَنُو فَزَارَةَ عَلَى ذَلِكَ.
فَلَمَّا كَسَرَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، هَرَبَ طُلَيْحَةُ بِامْرَأَتِهِ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْد ذَلِكَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا زَمَنَ الصِّدِّيقِ، وَاسْتَحْيَى أَنْ يُوَاجِهَ الصِّدِّيقَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَرَجَعَ فَشَهِدَ الْقِتَالَ مَعَ خَالِدٍ فِي الْيَرْمُوكِ وَغَيْرِهَا. وَكَتَبَ الصِّدِّيقُ إِلَى خَالِدٍ:
(1) « الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة » (6/315) .