الْكُفَّارُ الْأَدْبَارَ، حَتَّى دَخَلُوا إِلَى مَكَانٍ يُسَمَّى حَدِيقَةَ الْمَوْتِ، وَأَغْلَقَتْ بَنُو حَنِيفَةَ الْحَدِيقَةَ عَلَيْهِمْ وَأَحَاطَ بِهِمُ الصَّحَابَةُ.
وقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ: يَا مَعْشَر الْمُسْلِمينَ! أَلْقُونِي عَلَيْهِمْ فِي الْحَدِيقَةِ، فَاحْتَمَلُوهُ فَوْقَ الْحَجَفِ (وَهِيَ التُّرُوسُ) ، ثُمَّ رَفَعُوا التُّرُوسَ بِالرِّمَاحِ حَتَّى أَلْقَوْهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِ سُورِهَا، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ دُونَ بَابِهَا حَتَّى فَتَحَهُ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْحَدِيقَةَ مِنْ حِيطَانِهَا وَأَبْوَابِهَا، يَقْتُلُونَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ حَتَّى خَلَصُوا إِلَى مُسَيْلِمَةَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ فَرَمَاهُ بِحَرْبَتِهِ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ (1) .
وَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ قُتِلَ قَرِيبًا مِنْ عَشْرَةِ آلَافٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِتُّمِائَةٍ. وَلَجَأَ الْبَاقُونَ إِلَى الْقَلْعَةِ فَصَالَحَهُمْ خَالِدٌ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وَكَانَ قَدْ سُبِيَ مِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ إِلَى الْحِصْنِ، وَمِنْهُمُ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَسَرَّى بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَأَنْجَبَتْ لَهُ مُحَمَّدًا الَّذِي يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ (2) .
* رِدَّةُ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ:
ارْتَدَّ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمُ الْمُنْذِرَ بْنَ النُّعْمَانِ، وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا مَا مَاتَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى
(1) وَكَانَ وَحْشِيّ يَقُول: « قتلت خَيْر النَّاس فِي الْجاهلية وَشر النَّاس فِي الْإِسْلَام » انْظُرْ: « أسد الْغابة » لِابْنِ الْأَثِير 5/386 وَ « تَارِيخ الْإِسْلَامِ » لِلذَّهَبِيِّ 3/39.
(2) « الطَّبَقَات الْكُبْرَى » (3/12) ، وَهِيَ خولة بِنْت جَعْفَر بْن قَيْس.