* بَنُو حَنِيفَةَ وَمَعْرَكَةُ الْيَمَامَةِ:
أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْيَمَامَةِ لِقِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَرْسَلَ قَبْل ذَلِكَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَشُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، وَكَانَ عَدَدُ جَيْشِ بَنِي حَنِيفَةَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَلَمَّا وَصَلَ خَالِدٌ جَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ زَيْدَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ أَبَا حُذَيْفَةَ.
وَتَقَدَّمَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ خَالِدٌ عَلَى كَثِيبٍ يُشْرِفُ عَلَى الْيَمَامَةِ، فَضَرَبَ بِهِ عَسْكَرَهُ، وَرَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَرَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ حَتَّى حَفَرَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِقَدَمَيْهِ فِي الْأَرْضِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ بَعْدَمَا تَحَنَّطَ وَتَكَفَّنَ، فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا حَتَّى قُتِلَ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: أَتَخْشَى أَنْ نُؤْتَى مِنْ قِبَلِكَ؟
فَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا.
وَحَمَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى جَاوَزَهُمْ ثُمَّ رَجَعَ، ثُمَّ وَقَفَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ، وَجَعَلَ لَا يَبْرُزُ إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ، وَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ مَيَّزَ خَالِدٌ الْمُهَاجِرِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَجَعَلَ كُلَّ قَبِيلَةٍ تَحْتَ رَايَةٍ حَتَّى يَعْرِفَ النَّاسُ مِنْ أَيْنَ يُؤْتَوْنَ، وَصَبَرَ الْمُسْلِمُونَ صَبْرًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ.
وَلَمْ يَزَالُوا يَتَقَدَّمُونَ إِلَى نُحُورِ عَدُوِّهِمْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَوَلَّى