الوجه الثاني: عن حميد ، عن أنس موقوفًا ، وهذه رواية الأنصاري ، ومروان بن معاوية الفزاري ، وعبد الله بن المبارك في كتاب الزهد له ( وهو من رواية نعيم بن حماد عنه ) .
وقد قال أبو حاتم بعد ذكر رواية محمد بن جعفر المرفوعة، ورواية الأنصاري الموقوفة: حديث حميد فيه مثل ذا كثير، واحد عنه يسند وآخر يوقف وهذا يدل على أن الاختلاف فيه من حميد نفسه ، يعني أنه يرفعه مرة ويوقفه مرة ، ولعل ذلك على سبيل الورع ، أو أنه ربما عرض له فيه شك ، فقد قال علي بن المديني ، عن يحيى بن سعيد: كان حميد الطويل إذا ذهبت تقفه على بعض حديث أنس يشك فيه . ( تهذيب الكمال 7/361 ) .
وبناءً على هذا فإن هذا الحديث يكون محفوظًا عن حميد ، عن أنس مرفوعًا ، لأنه رواية الجماعة عنه وفيهم ثقات أثبات ، ولذلك أخرجه البخاري في صحيحه ، وقال الترمذي: حسن صحيح . وقد وقع تصريح حميد بسماعه له من أنس في رواية أبي إسحاق الفزاري عند البخاري فأمن بذلك تدليسه .
غير أن أبا حاتم في الموطن الثاني الذي ذكر فيه هذه المسألة 2/214 ح2131 قال بعد ذكر الوجه المرفوع: هذا خطأ ، والصحيح عن أنس موقوف . وأشار البزار إلى شهرة وقفه بقوله: وهذا الحديث رواه غير واحدٍ عن حميد ، عن أنس موقوفًا ، وروى ثابت بعض كلامه .
وجَزْم أبي حاتم بخطأ رفعه مشكل حيث إنه رواية الثقات عن حميد ، ثم قد يكون مخالفًا لكلامه السابق ، إلا أن يكون أراد أن حميدًا أخطأ في رفعه فإن هذا يستقيم مع كلامه الأول ، ولعل سبب ترجيح أبي حاتم لوقفه أنه لما رأى حميدًا تردد في رفعه أخذ بالأحوط ، وهو وقفه ، ولكن يجاب على ذلك بأن الأكثر من حميد رفعه ، ثم قد وافقه على رفعه ثابت البناني ، وهذا يدل على أن الصواب رفعه ، وأن وقفه تقصير ولعله على سبيل الورع .