وهذا الوجه يرويه عن قتادة: سعيد بن أبي عروبة ، ومعمر ، إلا أن معمرًا كان متهيبًا وصله ، فكان يرسله ، ثم جزم بوصله لما اطلع عل كتاب سعيد - كما سبق في كلام عبد الرزاق - وقد ذكر فيمن يرويه عن قتادة شعبة ، ولم أقف على روايته إلا في التمهيد والاستذكار- تعليقًا - وأستبعد صحة ذلك عن شعبة ، فإن شعبة لا يروي عن قتادة مالم يسمعه من شيوخه ، وقتادة لم يسمع من سنان - كما سيأتي- وتَصَحُّف سعيدٍ إلى شعبةَ كثير ، فلعل أصل ذلك تصحيف قديم ، فالله أعلم .
والحاصل أن حكم أبي حاتم بخطأ الوجه الأول ، وصواب الثاني عن قتادة ظاهر جدًا، وقد جزم به الدارقطني - أيضًا - ( العلل 4/ الورقة 32 ) وذلك أن جرير بن حازم ضعيف الرواية عن قتادة خاصة ، قيل لابن معين: إنه يحدث عن قتادة ، عن أنس أحاديث مناكير ؟ فقال: ليس بشيء . هو عن قتادة ضعيف . وقال أحمد: كأن حديثه عن قتادة غير حديث الناس ... . وقال ابن عدي وهو مستقيم الحديث صالح فيه إلا روايته عن قتادة ، فإنه يروي أشياء عن قتادة لا يرويها غيره ( انظر ترجمته في المسألة العاشرة ) .
ثم إن سعيد بن أبي عروبة أثبت الناس في قتادة ، وقد تابعه معمر ، وشعبة - إن صح - فلا شك بصواب هذا الوجه عن قتادة، ويؤكد ذلك أن هذا الحديث قد عرف عن ابن عباس من غير هذا الطريق كما في حديث موسى بن سلمة عن ابن عباس ، ولم يعرف عن أنس إلا من هذا الطريق ، فظهر بذلك صواب كلام أبي حاتم ، والله أعلم .
الوجه الثالث: عن قتادة مرسلًا دون ذكر ابن عباس ، وهذه رواية همام ، وسبق أن معمرًا كان يرسله - أيضًا - وهذا تقصير ، والصواب الوجه الذي قبله كما سبق تقريره ، فلعل همامًا شك فيه أو تهيبه فأرسله ، كما كان يصنع معمر ، أو غير ذلك .
والحديث من وجهه المحفوظ عن قتادة أخرجه مسلم في صحيحه - كما سبق - وصححه أبو عوانة ، وابن خزيمة وغيرهما ، ولكن في تصحيح هذا الإسناد نظر من جهتين: