بقلم الشيخ؛ عبد الآخر حماد الغنيمي
هذه الأخبار التي تأتينا عبر وسائل الإعلام؛ عن وجود بقايا من المجاهدين على أرض العراق لا يزالون يقاتلون أعداء الله من الأمريكان والبريطانيين ومن حالفهم، رغم ما يحيط بهم من ضيق الأحوال وشدة الأمر وقلة الإمكانات.
أقول: إن هذه الأخبار تثبت لنا أنه لا يزال في الأمة بحمد الله تعالى من يسير على نهج رسول الله وصحبه الكرام في مغالبة الهزيمة بمعاودة الجهاد وطلب الاستشهاد.
فمن أحداث السيرة المطهرة؛ أنه لما أصاب المسلمين يوم أحد ما أصابهم من الهزيمة، وانصرف المشركون راجعين إلى مكة، بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنهم قد عادوا مرة أخرى ليستأصلوا شأفة المسلمين، فنادى في الناس وندبهم إلى المسير لملاقاة المشركين، فاستجاب له المسلمون على ما بهم من القرح والخوف الشديد وسار بهم حتى بلغ موضعًا يقال له حمراء الأسد على بعد ثمانية أميال من المدينة.
وقد ذكر أهل السير؛ أن معبد بن أبي معبد الخزاعي قد خذَّل أبا سفيان وأخافه مما جمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع المشركون على أعاقبهم إلى مكة، وكفى الله المؤمنين القتال، ولكن بقيت الحادثة كما خلدها القرآن الكريم في قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} [آل عمران: 172 - 174] ، بقيت مظهرًا من مظاهر كمال نبينا صلى الله عليه وسلم يتجلى في عدم استسلامه للهزيمة، ومغالبتها في شجاعة وصبر مع يقين جازم بنصر الله عز وجل.
كما كانت هذه الحادثة معلمًا بارزًا من معالم تفرد ذلكم الجيل الفريد الذي لم تعرف البشرية له مثيلًا.
ثم هي أيضًا دليلٌ قاطع على حيوية هذه الأمة وأنها لا يمكن أن تموت، وأن رصيدها الإيماني قادر على أن يحمل المؤمنين على سرعة إعادة الصفوف بعد كل انتكاسة أو ملمة تلم بها، وذلك أن الهزيمة الحقيقية هي أن تفقد الأمة ثقتها بربها ويقينها بأن النصر لا محالة لها.
وقد كان من الممكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكتفي بالاستعداد الدفاعي في المدينة، ولكنه أبى إلا الخروج خلف جيش المشركين وكأني به - بأبي هو وأمي - يريد أن يعلم أصحابه أنهم