حتى وهم في هذه الحالة من القرح الشديد والآلام المبرحة قادرون على الهجوم وليس فقط على الدفاع والتصدي للمعتدين.
ولعله صلى الله عليه وسلم قد أراد كما يقول صاحب"الظلال": (ألا يكون آخر ما تنضم عليه جوانح المسلمين ومشاعرهم هو شعور الهزيمة وآلام البرح والقرح، فاستنهضهم لمتابعة قريش وتعقبها، كي يقر في أخلادهم أنها تجربة وابتلاء وليست نهاية المطاف، وأنهم بعد ذلك أقوياء، وأن خصومهم المنتصرين ضعفاء، إنما هي واحدة وتمضي، ولهم الكرة عليهم متى نفضوا عنهم الضعف والفشل واستجابوا لدعوة الله والرسول) [في ظلال القرآن: 1/ 519] .
ولقد كان ذلك من أهم الدروس التي تعلمها الصديق رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك حين أصر على إنفاذ بعث أسامة بن زيد الذي كان قد جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته لقتال الروم، مع كون المسلمين في ذلك الوقت كما قال بعضهم: (كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم، وقلتهم وكثرة عدوهم) ، حيث ارتد من ارتد من العرب، ومنع الزكاة من منع ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، وقد أشار عليه بعض الصحابة أن لا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم، لكنه رضي الله عنه أبى إلا أن ينفذه قائلًا: (والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة) .
فكان خروج الجيش ذلك الوقت كما يقول ابن كثير: (من أكبر المصالح والحالة تلك، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أُرعبوا منهم، وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعة شديدة) [البداية والنهاية: 6/ 308] .
وكأني بهذا المعنى يتبدى أمامنا اليوم على يد أولئك الثلة من رجال الإسلام الذين أشرنا إليهم في صدر هذا الحديث، الذين بقوا في بغداد يقاتلون مَن دنس أرضها، بعد أن تخلى عنها من كان من قبل يتمتع بخيراتها وبنهب ثرواتها ويحكم أهلها بالحديد والنار.
بقي هؤلاء المجاهدون ليقولوا لهولاكو العصر وجنده؛ إنه يمكنكم أن تحتلوا أرض الإسلام لأنه لم يعد للمسلمين إمام يحمي البيضة ويدفع العدوان، ولكن أمة الإسلام لن تعقم أبدًا، ولا بد من أن تنجب مِن الراغبين في تكميل مهر الحور العين مَن يعلم أنه قد لا يستطيع أن يحقق النصر الحاسم عليكم، ولكنه يستطيع بسلاح الشهادة أن يزلزل الأرض من تحت أقدامكم، حتى يأذن الله بيوم نسأل الله أن يكون قريبًا تتمكن فيه كتائب الإيمان من تطهير أرض الإسلام من دنسكم ورجسكم.