وأما قولهم إنه يحتمل أن يكون كافرًا فيقال لهم ويحتمل أنه كان فاسقًا لا كافرًا بدليل أنّ المراد بالفاجر أعمّ من أن يكون كافرًا أو فاسقًا؛ ومتى طرأ الاحتمال سقط به الاستدلال فلا حجة لمدعي جواز الاستعانة بالكفار بهذا الحديث.
ويقال أيضًا إنّ الفجور إذا كان عامًا يشمل الكفر والفسوق فحديث (( إنّا لا نستعين بمشرك ) )يكون مخصصًا للعموم في هذا الخبر، وذلك من باب حمل العام على الخاص كما هو مقرر في علم الأصول. كما أنّ القصة لا تفيد أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - استعان به في قتال الكفار بل فيه أنه حضر القتال، فيكون إذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له بحضور القتال لكونه كان ممن يدعي الإسلام لا أنه كان كافرًا.
واستدلوا بقول الإمام الترمذي في سننه (4/ 108) في كتاب السير باب ما جاء في أهل الذمة يغزون مع المسلمين هل يسهم لهم، فقال: (ورأى بعض أهل العلم أن يسهم لهم إذا شهدوا القتال مع المسلمين ويروى عن الزهري أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أسهم لقوم من اليهود وقاتلوا معه، حدثنا بذلك قتيبة بن سعيد. أخبرنا عبد الوارث بن سعيد عن عروة بن ثابت عن الزهري. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب) .
وقالوا: ومن الأدلة ما رواه البيهقي في السنن الكبرى (9/ 64) (أنّ سعد بن مالك غزا بقوم من اليهود فرضخ لهم) .
قلت: لا حجة لهم في ذلك لأن الخبر هالك فهو من مراسيل الزهري ومعلوم أنّ مراسيله ضعيفة.
ثم إنّ هذه القصة قد عارضها ما سبق أن ذكرناه من ردّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبني قينقاع وهم حي من اليهود وكانوا رهط عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - فلما أبوا الإسلام، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( قل لهم فليرجعوا فإناّ لا نستعين بالمشركين على المشركين ) ).
فالعجب ممن يدع هذه الأحاديث الصحيحة، ويستدل بالآثار الواهية والمراسيل الضعيفة والأخبار المضطربة سندًا ومتنًا.
ومن أقوى ما استدلوا به هو حديث ذي مخبر رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سأله جبير بن نفير عن الهدنة فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم ) )الحديث. (رواه أبو داود في السنن في كتاب الجهاد باب في صلح العدو(3 / ح 2767 / ص 86 - 87) وفي كتاب الملاحم - باب ما يذكر من ملاحم الروم (4 / ح 4292 / ص 107 ) ) . وإسناده صحيح.
قلت: إنّ هذا الحديث ليس فيه ما يدل على جواز الاستعانة بالكفار، فالمسلمون لا يستعينون بالمشركين في قتال العدو الذي يكون من ورائهم، إنما كما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم يقاتلون هم والروم عدوًا من خلفهم، وليس في الحديث ما يدل على أنهم يقاتلون عدوهم معًا فالمسلمون يغزون عدوهم منفردين عن الروم والروم يغزون عدوهم منفردين عن المسلمين.
ويقال أيضًا إذا كان قتال المسلمين مع الروم لعدوهم يكون باجتماعهم فلا ضير في ذلك إذا كان من باب المشاركة والاجتماع بسبب الصلح الذي بينهم، لكنه ليس من جنس الاستعانة بهم، فتأمل. والحاصل أنّ الحديث يفيد مشاركة الروم للمسلمين في قتال عدوهم حال الصلح والهدنة التي تكون بين