المشركين، ولذلك جاءت وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين بتطهيرها من كل دين غير دين الإسلام، وبإخراج اليهود والنصارى والمشركين فيها، وبعدم السماح لهم بالإقامة فيها والحلول ببقاعها، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله لما آل إليه الأمر في زماننا هذا، حتى سمح لليهود والنصارى والبوذيين والوثنيين والهندوس بالإقامة فيها والسماح لهم باستيطانها، وإدخال جيوش الصليبية إليها بدلًا من تطهيرها منهم، فوالله إنها لمصيبة ما بعدها مصيبة ورزية لم يسبق للأمة أن ابتلوا بمثلها، فالعجب كل العجب ممن يفتي بجواز ذلك وهو يعلم علم اليقين أنه خلاف ما أوصى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقبل الشروع في ذكر المقصود من الأدلة الآمرة بإخراج الكفار من جزيرة العرب (جزيرة الإسلام) نبين موقع الجزيرة العربية وحدودها.
فأقول: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 406) : (جزيرة العرب التي هي من بحر القلزم إلى بحر البصرة ومن أقصى حجر اليمامة إلى أوائل الشام بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم ولا تدخل فيها الشام وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله) أهـ.
قلت: بحر القلزم هو المعروف اليوم بالبحر الأحمر، والقلزم مدينة على طرفه الشمالي وبحر البصرة هو الخليج العربي، وعلى هذا التعريف فإنّ الدول المعروفة الآن بالمملكة العربية السعودية واليمن وعمان والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين من جزيرة العرب لأن هذه الدول محدودة بالأبحر الثلاثة (البحر الأحمر وبحر العرب والخليج العربي) ، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء والمحدثين والمؤرخين والجغرافيين وغيرهم، وهل بادية العراق من جزيرة العرب، فيه خلاف، غير أنّ أبا عبيد القاسم بن سلام والأصمعي قالا: (هي من ريف العراق إلى عدن طولًا، ومن تهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضًا) . (انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم(1/ 177 ) ) وعلى هذا القول فإنّ بادية العراق والمعروفة بالأنبار من جزيرة العرب. [1] وأما الأحاديث الواردة في تحريم إقامة اليهود والنصارى والمشركين فيها فكثيرة، نذكر منها الآتي:
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتدّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه يوم الخميس فقال: (( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا ) )، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: (( دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه ) )، وأوصى عند موته بثلاثة: (( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ) )، ونسيت الثالثة. (رواه البخاري في الجهاد والسير - باب جوائز
(1) (قال الزبير بن بكار في(( أخبار المدينة ) )أخبرت عن مالك عن ابن شهاب قال: جزيرة العرب: المدينة. قال الزبير: قال غيره: جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضرموت. قال الزبير: وهذا أشبه وحضرموت آخر اليمن. وقال الخليل بن أحمد: سميت جزيرة العرب لأن بحر فارس وبحر الحبشة والفرات ودجلة أحاطت بها، وهي أرض العرب ومعدنها. وقال الأصمعي: هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن إلى أطراف الشام. وقال أبو عبيد: من أقصى عدن إلى ريف العراق طولًا ومن جدة وما والاها من الساحل إلى أطراف الشام عرضًا. وقال الأصمعي: جزيرة العرب: ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولًا ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام عرضًا. وسميت جزيرة العرب لإحاطة البحار بها، يعني بحر الهند وبحر القلزم وبحر فارس وبحر الحبشة، وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم) = (انظر: فتح الباري(6/ 171 ) ) وقال البخاري في صحيحه (3 / ص 1111 - البغا) : (وقال يعقوب ابن محمد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن. وقال يعقوب: والعرج أول تهامة) .