لقد حددت حملة مكافحة الإرهاب عدوها الرسمي بصفة مستمرة: وهو الإسلام الأصولي، وتقرر الإحصائيات الأمريكية الداخلية أن من بين 171شخصًا اتهموا بالإرهاب لا يوجد بينهم إلا 11 من العرب المسلمين بنسبة 6%، وفي التسعينات كان 96% ممن أدينوا بالإرهاب ليسوا مسلمين ولا عربًا، أما الإحصائيات الخارجية الأمريكية عام 1414هـ فهي توزع الهجمات الإرهابية المناهضة للولايات المتحدة على النحو التالي 40هجومًا من أمريكا اللاتينية مقابل 8 اعتداءات وقعت في الشرق الأوسط، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد أن الجريمة - وليس الإرهاب - في أمريكا - قتل وسرقة وعنف واغتصاب - تكلف الخزينة الأمريكية 450مليار دولار سنويًا، مع هذا كله فهي بعيدة جدًا عن دوائر الاتهام والإعلام، ثم مع ذلك أيضًا يبقى قانون الإرهاب سيفًا مصلتًا على كل مسلم في كل مكان ويمتد حينما ترى أمريكا مده إلى الدول والقادة وزعماء العالم الإسلامي من علماء ومفكرين، وأصبح المسلم في النظرة الأمريكية لا يخرج عن اثنتين إما إرهابي وإما مناصر للإرهاب، وهذا ما صرح به شيطان العصر الرئيس الأمريكي جورج بوش - الإبن - حينما أعلن الحرب الصليبية قائلًا من لم يكن معنا فهو ضدنا!
ولقد انتقدت منظمة العفو الدولية، الولايات المتحدة لعدم احترامها معاهدة الأمم المتحدة ضد التعذيب التي وقعت عليها واشنطن في عام 1414هـ، واتهمتها بالسماح للشرطة بارتكاب أعمال وحشية وتطبيق ممارسات غير إنسانية مثل الحبس الانفرادي والصدمات الكهرابائية والعنف مع الأقليات العرقية التي تشكل 60% من الموقوفين، ونددت منظمة العفو باحتجاز عشرين ألف شخص في زنزانات خاضعة لمراقبة قصوى يعاني الكثيرون منهم من اختلالات عقلية، وأن البعض منهم يتركون في تلك الزنزانات لسنوات من دون نافذة أو نشاط رياضي أو عمل.
وحينما طالبت بعض المنظمات العاملة في حقوق الإنسان التحقيق في أحداث قلعة جانجي، رفض وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد وقال في تصريح له لا حاجة إلى إجراء تحقيق، ولا نرى ضرورة لذلك!
ويقول بيرناردت بيريت المسؤول في الصليب الأحمر في العاصمة الأفغانية: (إننا نحاول الحصول على تصريح بدخول المنطقة التي توجد فيها القلعة لتفقد أحوال الناجين من المذبحة ولكن رفض طلبنا) .
إن أمريكا تتسنم بالأحادية والطمع والهمجية والتدخل الساخر في شؤون الدول الداخلية وغير احترام لدينهم بل وقوانينهم، فهي تشرع بالغداة وتنسخ بالعشي، ولذلك ليس لديها قانون منضبط، فهي تنتهك القوانين والاتفاقيات، فلسان حالها يقول لا نسأل عما نفعل وهم يسألون! ونأخذ ما نشاء وندع ما نشاء، وننتهك حقوق ما نشاء، ولا معقب لحكمنا، ولذلك يقول ألبرت بيفريدج ممثل ولاية إنديانا في مجلس الشيوخ الأمريكي يلقي خطابًا في مجلس ولا يته قال فيه: (إن الله لم يهيئ الشعوب الناطقة بالإنجليزية لكي تتأمل نفسها بكسل ودون طائل، لقد جعل الله منا أساتذة العالم! كي نتمكن من نشر النظام حيث تكون الفوضى، وجعلنا جديرين بالحكم لكي نتمكن من إدارة الشعوب البربرية الهرمة، وبدون هذه القوة، ستعم العالم مرة أخرى البربرية والظلام، وقد اختار الله الشعب الأمريكي دون سائر الأجناس كشعب مختار يقود العالم أخيرًا إلى تجديد ذاته!) وهذا"روزفلت"يصرح في أعقاب الحرب العالمية الثانية قائلًا: (إن قدرنا هو أمركة العالم، تكلموا بهدوء واحملوا عصًا غليظة، وعندئذ يمكن أن تتوغلوا بعيدًا) ، ولأجل ذا فهم ينفذون بضع قرارات فقط ضد شعوب إسلامية ثمارها حصار لسنوات ومعاناة صحية واقتصادية، ورجوع إلى الخلف، وبدون أن يكون لذلك الحصار مبرر واضح أو نتائج ملموسة، وفي المقابل همشت مئات القرارات الإنسانية والقوانين الدولية، التي تدين إسرائيل!! فقوانين الدول الكبرى أشبه ما يكون ببيت العنكبوت لا يمسك إلا الحشرات الصغيرة.
وتم استنزاف ثروات المسلمين من قبل أمريكا الساخرة، وتقييد دول إسلامية أخرى بالقروض والإعانات وفروض الرؤية الاقتصادية الغربية عليها.
لماذا لا تعالج القضية الفلسطينية؟
ولماذا يفرض السلام غير العادل على العرب؟
ولماذا يكون السفاح أرييل شارون رئيس وزراء الكيان الصهيوني والذي ارتكب الأرقام القياسية من الجرائم الفظيعة في حق الإنسانية رجل سلام كما يقوله وبدون مبالاة الرئيس الأمريكي جورج بوش، في حين يعتبر الملا عمر إرهابيًا والرايات الجهادية القائمة في الدفاع عن النفس والعرض إرهابية؟
وأخيرًا صنفت حركة حماس الفلسطينية التي تدافع عن الأقصى الشريف إرهابية في نضر السياسة الأمريكية.
ولما كانت سنة الله تعالى لا تتغير بتغير الزمن ولا باختلاف الأحوال والأجواء، ابتلى الله هذه الأمة الظالمة بآلام عديدة تخص كثيرًا من الشؤون الحياتية الاجتماعية والاقتصادية، حررت ذلك في رسالة مستقلة يسر الله إتمامها ..
يقول الله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} ودمار أمريكا قريبًا إن شاء الله، ونقول إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، لأن سنة الله تعالى الكونية التي لا محيص عنها ولا محيد، جرت في أن الأمة إذا طغت وبغت وعثت في الأرض فسادًا، أنه يهلكها كما هي حال الأمم الغابرة قال الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} ، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} ، وقال تعالى {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} .
وهؤلاء عاد لما تكبروا وطغوا وتجبروا وقالوا {من أشد منا قوة} ، رد الله عليهم بقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ} ، ولما عاينوا السحب في السماء قالوا {هذا عارض ممطرنا} ، رد الله عليهم بقوله: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} .
وهؤلاء ثمود لما طغوا وتكبروا على نبي الله صالح وقالوا له {يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين} ، عاقبهم الله تعالى بقوله: {فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} ، أي صرعى لا أرواح فيهم ولم يفلت أحد منهم لا صغير ولا كبير لا ذكر ولا أنثى.
وهذا قارون لما تكبر وطغى وقال مقولته النكراء {إنما أوتيته على علم عندي} ، رد الله سبحانه عليه: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ} .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) )، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} ، وهذا حديث متفق على صحته من طريق أبي معاوية قال حدثنا بريد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري.
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: {لو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي دكًا} ، رواه البخاري في الأدب المفرد [588] من حديث أبي نعيم، قال حدثنا فطر، عن أبي يحيى قال سمعت مجاهدًا عن ابن عباس، ورواه عن مجاهدٍ الأعمشُ وغيره.
وذكر الخطيب في تاريخ بغداد [14/ 132] محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك قال لأبيه يحيى بن خالد بن برمك - وهم في القيود والحبس: يا أبت بعد الأمر والنهى والأموال العظيمة أصارنا الدهر إلى القيود ولبس الصوف والحبس؟ قال: فقال له أبوه: يا بنى دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها، ثم أنشا يقول:
رب قوم قد غُذوا في نعمةٍ * زمنًا والدهر ريان غدق
سكت الدهرُ زمانًا عنهم * ثم بَكَّاهم دمًا حين نطق
وصادر بعض وزراء الخلفاء رجلًا، فأخذ منه ثلاثة آلاف دينار، فبعد مدة غضب الخليفة على الوزير، وطلب منه عشرة الاف دينار، فجزع أهله من ذلك، فقال ما يأخذ مني أكثر من ثلاثة آلاف كما كنت ظلمت، فلما أدى ثلاثة آلاف دينار وقّع الخليفة بالإفراج عنه،
فسبحان من هو قائم على كل نفس بما كسبت، إن ربك لبالمرصاد.
وضرب رجل أباه وسحبه إلى مكان، فقال الذي رآه إلى هاهنا! رأيت هذا المضروب قد ضرب أباه، وسحبه إليه.
وكان بعض أكابر التابعين قال لرجل يا مفلس، فابتلي القائل بالدين والحبس بعد أربعين سنة.
فجانب الظلم لا تسلك مسالكه * عواقب الظلم تخشى وهي تنتظر
وكل نفس ستجزى بالذي عملت * وليس للخلق من دنياهم وطر
والقصص الواقعية، والعبر التاريخية طافحة بمثل هذا، ولذلك يقول ابن الأثير رحمه الله تعالى في الكامل: (وليعلم الظلمة أن أخبارهم تنقل، وتبقى على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم لهذا، إن لم يتركوه لله سبحانه وتعالى) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى [28/ 146] : (وأمور الناس تستقيم مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم"ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم"، فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة، فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له، والتعدي عليه في حقه، وداعي الظلم لنفسها بتناول الشهوات القبيحة كالزنا وأكل الخبائث، فهي قد تظلم من لا يظلمها، وتؤثر الشهوات وإن لمن تفعلها، فإذا رأت نظراءها قد ظلموا وتناولوا هذه الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم فيها أعظم بكثير، وقد تصبر ويهيج ذلك لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ما لم يكن فيها قبل ذلك، ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين، بكون ذلك الغير قد ظلم نفسه والمسلمين، وأن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب والجهاد على ذلك من الدين .. ) اهـ
ثم إن ديننا الحنيف دين ترابط ووفاء، وبر وإخاء، دعا إلى الترابط والتواصل والألفة وعدم الفرقة {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} ، {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} ، فالمسلمون كالجسد الواحد لا تفرق بينهم حدود وهمية، ولا حواجز
مصطنعة، كمال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تدعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ) [متفق على صحته من طريق زكرياء، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( المؤمن للمؤمن كاللبنيان، يشد بعضه بعضًا ) ) [متفق عليه أيضًا من طريق بريد، عن أبي بردة عن أبي موسى] .
ومن هذا المبدأ الإسلامي يتحتم علينا أن ننظر في القضية العراقية نظرة تأمل وتفحص بعلم وحكمة ودراسة، وأن نواسي إخواننا المضطهدين، ونشاركهم الشعور بآلامهم.
وإنه لمن الأمر المرير، والنباء العظيم، والجرم الكبير، ما تقوم به السياسة الأمريكية الغاشمة والتي أسست على الإرهاب والعنف والتطرف، من قصف وحشي، على إخواننا العراقيين في العراق، والتي أهلكوا فيها الحرث والنسل، وأبادوا الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، بل وحتى الحيوان البهيمي، بل وحتى اليابس والأخضر، وقد وصل بهم الأمر إلى منع ألآت التعليم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، يحظر على أطفال العراق أقلام الرصاص، والحبر السائل، والمضغوط، والألوان المائية والزيتية، وأوراق الرسم، والورق اللاصق، والصمغ، على أن المعاناة اليومية من وطأة المشاق المعيشية، والتربوية الناجمة عن الحصار لا تقاس بالمآسي الإنسانية نتيجة التلوث البيئي، وسوء التغذية، وانعدام الرعاية الصحية، وانعدام الدواء، فالمستشفيات متهالكة، وتفتقر إلى المعِدَّات الطبِّية والأدوية، بحيث بات الأطفال يتساقطون كالفَراش.
وكل هذا القتل والتشريد والإبادة لم يكن موجهًا إلى صدام ولا إلى عسكريين بل إلى مدينين عزل لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وصدام وزبانيته آمنون مطمئنون، لم يكن لهم من الأطنان التي تصب على هؤلاء ولا رصاصة واحدة، ويؤتى إليه بأشهر النطاسين وأنجع الأدوية، حتى ولو شاكته شوكة؟.
ويؤكد ما أشرنا إليه دينيس هاليدي مساعد الأمين العام للأمم المتحدة قائلًا: (نحن نقتل أطفال العراق والأمين العام تنقصه الشجاعة، هناك سياسة متعمدة لتدمير شعب العراق) .
وطِبقًا لإحصائيات اليونيسيف، ومنظمة الأغذية والزراعة، يحصد الحصار أرواح خمسة آلاف طفل عراقي كل شهر، وإذا وضعنا الوفيات الأخرى بين الراشدين جانبًا، فإن الحصار يتسبب في وفاة ستين ألف طفل كل عام مما يعني نصف مليون على امتداد السنوات التسع الماضية. وهذا الرقم يعادل ثلاثة أضعاف ضحايا قنبلة هيروشيما.
إن قتل الإبادة جريمة كبرى، وبلية عظمى، وحتى القانون الدولي لا يقره بل يعتبره جريمة، فقد عرضت اتفاقية بشأن منع جريمة إبادة الجنس والمعاقبة عليه، للتوقيع بتاريخ 8 - صفر 1368هـ، وأصبحت سارية المفعول بتاريخ 25/ 7/1380هـ وتجعل المادة رقم 2 من هذه الاتفاقية إبادة الجنس جريمة دولية، وتلزم الأطراف المتعاقدة بأن تأخذ على عاتقها منعها والمعاقبة عليها.
ولكن المشكلة أن منظمة الأمم يسيطر عليها اليهود الأمريكيون، وسيطرتهم عليها قديمة ولا تحتاج إلى أدلة وبراهين، إن من بعد منتصف الثمانينات صارت القضية أجلى من الشمس في ضحاها ولا تخفى إلا على العميان، إن 60% من أعضائها البارزين يهود بل وحتى التمويل لهذه الهيئة كان بنسبة 75% من الدول الكبرى، وأمريكا وحدها كانت تساهم بثلث الميزانية الإجمالية منذ إنشائها، وحتى عام1387هـ، إننا حين نعرف هذا لا نستغرب الحقائق الآتية:
حتى عام 1412هـ، أصدر مجلس الأمن 69قرارًا ضد إسرائيل لم ينفذ منها قرار واحد.
وخلال أزمة البوسنة والهرسك صدر63قرارًا، ولم ينفذ منها قرار واحد.
ومنذ أزمة كشمير عام 1366هـ، وحتى الآن صدر لصالح كشمير 13قرارًا، ولم ير قرار واحد منها النور.
ولقد انسحبت أمريكا وبريطانيا من منظمة اليونسكو، والسبب في ذلك أنهما لايقبلان المساواة بالدول الصغرى! وقال المندوب الأمريكي آنذاك: (نحن لم نؤسس الأمم المتحدة واليونسكو من أجل هذه المساواة! وإذا كنتم مصرين عليها فسنحطمها) هكذا قال وبكل صراحة وشفافية.
ولما صدرت بعض القرارات التي لا تخدم السياسة الأمريكية غضبت أمريكا وأصبح لديها قناعة بأن نظام هذه الهيئة يجب أن يتغير وهذا الذي حدث بالفعل مع بداية التسعينات حتى غدت هيئة أمريكية، تجسد سياستها الخارجية، وتسوغ هيمنتها، وذلك تحت غطاء النظام العالمي الجديد، فبعد إعلان بوش عن النظام العالمي الجديد، بدأ أثر ذلك يظهر على هيئة الأمم المتحدة إذ استطاعت أمريكا أن تجمع 111صوتًا لإلغاء القرار الذي أصدرته الجمعية العامة في سنة 1394هـ، والذي اعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية، وذلك في الجلسة العامة للجمعية بتاريخ 30/ 5/1412هـ.
والعجيب أنه بدل أن تعمل أمريكا على تنفيذ القرارات رقم 242و338و425 القاضية بالانسحاب من جميع الأراضي المحتلة سنة 1387هـ، فقد أرسلت عشية المؤتمر رسالة إلى إسرائيل جاء فيها: (إن التحديات التي تواجه إسرائيل تتعلق بأمريكا ذاتها، إننا نعدكم بأن التزامنا بأمن إسرائيل وضرورة التعاون الوثيق بين بلدينا من أجل تحقيق هذه الحاجات من الأمور المستمرة، وكل من يحاول دق إسفين بيننا في محاولة المس بهذا الالتزام لا يستطيع أن يفهم العلاقات المتينة القائمة بين بلدينا وطبيعة أمن إسرائيل) .
إن منظمة الأمم المتحدة تحت وطأة الولايات المتحدة عليها أصبحت منبرًا لتسويغ السياسة الأمريكية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك فأخذت توسع مجالها لتكون في خدمة المصالح الأمريكية، والحديث عن العلاقة بين المنظمة والسياسة الأمريكية يطول وليس هو شأننا ومقصودنا في هذا المقال، ويكفي أن نقول إن هيئة الأمم مجرد خلية تابعة للبنتاجون الأمريكي.
إن قَتْلَ العراقيين بإراقة الدماء ودون إراقة الدماء، أو تقطيع الأوصال، خدش حياء الرأي العام الأمريكي، فقد طفح الكيل بسبعين نائبًا في الكونجرس، فقاموا بالتوقيع على عريضة تطالب الرئيس"بيل كلينتون"- الذي تأخذ إدارته على عاتقها إحكام حصار صارم على العراق - تطالبه بتخفيف العقوبات التي ألحقت ضررًا فادحًا بالشعب العراقي. ونشرت أحد الصحف عن أم رمت بأطفالها من فوق جسر الأئمة في بغداد والسبب في ذلك أنها لربما تراهم يتضورون جوعا وليس لديها ما تطعمهم وفي ظل هذا الوضع اللإنساني، والأخلاقي المشين، جاءت استقالة"هانز فون سبونيك"المنسق في هيئة الأمم المتحدة للنشاطات الإنسانية في العراق، كصرخة ضمير احتجاجًا على إبادة أطفال، ونساء، وشيوخ العراق بدم بارد، فهذا الدبلوماسي الألماني المحترف الذي أمضى ثلاثة عقود ونصف في هيئة الأمم المتحدة قال بصراحة في مقابلة مع الجزيرة: (إن ما يجري في العراق مأساة حقيقية، وإنه يرفض أن يكون واحدًا من المسئولين عن هذه المأساة) .
ومن منظور عراقي فإن استقالة مسئولي الأمم المتحدة تفضح أساليب الخداع التي تمارسها الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية لتضليل الرأي العام العالمي تجاه ما يجري في العراق من جرائم ترتكب باسم الإنسانية.
هذا وإن الدفاع عن القضية العراقية من واجبات الدين والعقيدة، ومن مستلزمات الأخوة الإيمانية {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} .
وروى البخاري [2442] ومسلم [2580] من طريق الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في اجته .. ) )، وقال صلى الله عليه وسلم: (( انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ) )رواه البخاري في صحيحه [2443] من طريق حميد، عن أنس، ومسلم [2584] من طريق زهير، عن أبي الزبير عن جابر.
وقال البراء بن عازب رضي الله عنهما: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع، الحديث ... وفيه وأمر بـ"نصرة المظلوم"رواه البخاري [2445] ومسلم [2066] في صحيحيهما من طريق الأشعث بن سليم، قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرن: سمعت البراء.
والنصرة تتمثل بكل شيء يتقوون به على رأس الكفر العالمي من المال والنفس والدعاء لهم، والقنوت في الصلوات الخمس، ومن علم أنه قد حلت بالمسلمين نازلة من الجوع، والعري، والقتل، والتشريد، ولم ينصرهم وهو قادر على ذلك، فقد آتى ذنبًا عظيمًا.
وما من شك أن التخاذل في هذه المواقف يجر على المسلمين، الذلة، والصغار والخزي والعار ..
يا أمةً طالما ذلّت لقاتلها حتى * متى تخفضين الرأسَ للذنب
ألا ترين دماء الطهر قد سُفكت * في كل ناحيةٍ صَوْت المنتحب
حتى متى تقبلين الضيمَ خاشعةً * لكل باغٍ ومأفونٍ ومغتصبِ
وأما الذين يناصرون الكفرة الصيلبيين على المسلمين المستضعفين، سواء كانت المناصرة بالسلاح، والقتال، أو المال، والمشورة، وتسهيل الوسائل والإمكانيات، فهؤلاء منافقون، قال تعالى: {بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} ، وقال تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} .
و الدفاع عن الشعب العراقي لا يعني بوجه من الوجوه الدفاع عن النظام العراقي أو البعثي الخبيث صدام حسين، وزبانيته، فهؤلاء شرذمة مجرمون، فصدام رجل شرير كان شؤمًا على العراق، وإن فترة حكمه هي الأسوأ في تاريخ الأمة المعاصرة وربما في تاريخها كلها، لقد ارتكب ضلالات كبيرة، واتخذ قرارات مهلكة أركست الأمة في أزمات بل كوارث سياسية هي من الخطورة بمكان، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا سيرًا على خطى فرعون من قبل {مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} والتزامًا بتعليمات أستاذه من قبل ميشيل عفلق الذي قال: (إن القدر الذي حملنا رسالة البعث أعطانا الحق في أن نأمر بقوة، ونتصرف بقسوة) ، فطبق صدام هذا الهمجي هذا المنهج المأفون، فتعامل بقسوة مع شعبه وجيرانه وصديقه قبل عدوه، وتصرف بحمق وجهل وظلم فكان على أمته أشأم من عطر منشم.