فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 339

إن تاريخ صدام مليء بالظلم والكبر وعبودية الذات، وجرائمه النكراء تمثلت في إبادة أربعة آلاف قرية كردية وخمسة وعشرين مدينة، وآباد أيضًا أكثر من مائتين وخمسين ألف قتيل كردي برئ بأسلحة كيمائية وغازات سامة، وكل ذنبهم أنهم مسلمون، وقد فوجئوا بالموت يطوقهم من كل جانب الرجل في عمله، والمرأة تعمل في بيتها أو حقلها والطفل يلعب في الشارع أو ساحة بيته، أحرق الزرع وأباد الحيوانات ودمر الأرض.

وفي يوم من الأيام أملى عليه هواه وشيطانه، أن الجميع يتآمرون عليه وعلى حزبه وعرشه فأخذ يخطف الأطفال الأبرياء ويعذبهم لينتزع منهم اعترافات غير صحيحة على آبائهم، ويستخدم في ذلك طرقًا فضيعة في التعذيب حيث كان يأمر طغاته وجلاديه بقلع عيون ضحاياه من الأطفال وذلك لأجل أن يعترفوا على آبائهم حتى قاموا بإعادمهم بحجة الخيانة، وسجن الآلف من الأبرياء، كما أنه يستعمل الصدمات الكهربائية والجلد والضرب لتعذيبهم، وأدهى من ذلك وأمر أنه وصل إلى الاعتدائات الجنسية عليهم، وتاريخه مليء بمثل هذه الأفعال البشعة اللئيمة.

لقد كان وجود صدام وأمثاله من المصالح التي كسبتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وخصوصًا في الخليج العربي، وكان وجوده مما خدم الهيمنة والسيطرة الأمريكية، فلم يكن الرئيس صدام حسين مرفوضًا من الغرب قط كلا، وبالأخص من أمريكا وقد أكد ذلك"هارولد براون"وزير الدفاع في حكومة"جيمي كارتر"حيث قال: (إن التوجه العلماني في العراق في بناء الوطنية يجعله أقرب للغرب وأقل تهديدًا من إيران) ، ويقول"كولن باول"رئيس هيئة الأركان في حرب الخليج: (إن من غير الحكمة أن نلطخ اسم صدام وسمعته! وننعش آمال الجماهير ونحرضهم ضده، ثم نتركه وشأنه بعد ذلك) ، وعند ما زار وزير الدفاع الأمريكي اليهودي"وليم كوهين"إحدى القواعد الأمريكية في المنطقة عام 9/ 2/1418هـ، قال مخاطبًا الجنود الأمريكيين: (إنني متأكد من أن كثيرًا منكم يتساءلون من وقت لآخر عن سبب وجودهم هنا، وعما إذا كان ضروريًا؟ إن الجواب هو نعم: لأن الشرق الأوسط منطقة ذات أهمية كبيرة"لاقتصادنا"وبالنسبة لبقية العالم، إن بلادنا ينبغي أن تحمي منابع النفط في الخليج، ولهذا فإن الأمن في هذه المنطقة سيبقى ذا أولوية لوقت طويل) ـ ونشرت صحيفة نيويورك تايمز في عام 1998م، عن أحد المسؤولين الأمريكيين قوله: (لقد فعل صدام حسين لترويج سياستنا أكثر مما فعلنا ... بارك الله في صدام!!) .

وأما الأكذوبة الكبرى التي تجري على لسان بوش وبلير أنهم لا يضمرون إلا كل خير للشعب العراقي، وإنما يهدفون السلطة العراقية، فإن هذا غير صحيح ولا يمت للحقيقة بصلة.

ونحن نؤكد وبكل قوة بأن، الحصار على العراق لا يقره شرع منزل، ولا عقل سليم، ولا فكر مستقيم بل ولا قانون منضبط.

يقول"رامسي كلارك": (إن مبادئ القانون والعدالة تدين بقوة هذه العقوبات وتعتبرها إجرامية) ، وقال هوك ستيفتر: (لقد نجح المؤلف أي - مؤلف كتاب التنكيل بالعراق - من خلال وثائقه الوفيرة وبسطها بأسلوب ساخط لا ذع في تسليط ضوء قوي على أكثر جرائم الإبادة الجماعية وحشية في القرن العشرين) ، وقال الإنجليزي"جيف سيمونز"في كتابه التنكيل بالعراق: (إنني أشعر بالعار المتسم بالعجز إزاء ما حكمت به حكومتي والمتواطئون معها في الإبادة الجماعية، أولئك المشلولون نفسيًا، ومن ينقلون الشعور بالذنب) .

على أي أساس تعاقب العراق على احتمال أنها سوف تملك قنابل نووية وأسلحة الدمار الشامل بعد عشرين سنة، بينما الصهاينة في إسرائيل حققت ذلك كله قبل عشرين سنة، بل ولا زالت في تطويرها ومضاعفتها والصفقات تلو الصفقات في شراء الأسلحة الفتاكة وإعدادها العملي ضد المسلمين وبمساعدات أمريكية متنوعة ومتعددة.

ولماذا لا تعالج الأسلحة النووية في إسرائيل بالدواء الذي تستعمله أمريكا مع أسلحة كوريا الشمالية"النووية!"وأسلحة الدمار الشامل في العراق، ومن أين التفصيل بين حقوق الأقليات الإسلامية والأقليات غير الإسلامية، حيث إن الثانية تحظى بالتعاطف الرسمي والشعبي من الغرب الكافر، بينما الأولى تلاقي الحروب المباشرة وغير المباشرة، وأحوال الأقليات اليهودية في العالم والبهائية ونحوها في سلام وتمكن، بينما الأقليات الإسلامية في بورما والفلبين تتعرض للمعاناة يوميًا، وأدهى من ذلك سوء أحوال الأكثرية الإسلامية في السودان والعراق.

ولا يختلف اثنان في أن أمريكا وبريطانيا قد سعدا بإنفاذ سياستهما وإخراجها عبر منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لهما!

وأن حصار العراق دخل ضمن استراتيجيتهما بالمنطقة لشل قدراته التي كان يتمتع بها قبل اجتياحه للكويت.

لقد خرج مفتشو الأمم المتحدة من العراق منذ مدة بعد أن قضوا فيها فترة طويلة بينما صدام يخرق المقاطعة، ويشتري سلاحًا بمال اتفاق النفط مقابل الغذاء، إذا كان ذلك الحظر لم يفلح فما دواعي استمراره، أكثر من عشر سنوات، تلك فترة كافية، ولكن أمريكا تفعل هذا وأعظم بحثًا عن مصالحها الشخصية دون مراعاة لمعاناة الأخرين ودون مبالاة بالقوانين الدولية، ولذلك يقول أشرف بيومي الأمريكي إن أمريكا عطلوا حوالي ألف عقد، فأي عقد لا يعجبهم فهم على أتم استعداد في إلغائه، حتى عقود الأكل لا يبالون في منعها، وحتى العقود التي لها علاقة بالمنشآت البترولية، وكذلك العقود التي لها علاقة بالزراعة، والعقود التي لها علاقة ببناء البنية التحتية، وهي محطات توليد الكهرباء وضخ المياه والصرف الصحي، وهذه هي الأسباب الحقيقية التي تقتل مئات الآلاف من أطفال العراق، أطفال العراق يموتون بتلوث المياه، وتلوث الصرف الصحي، كما قامت أمريكا بمنع تزويد العراق حتى بالثيران لتحسين الثروة الحيوانية، أما الشعارات التي ترفع بين الحين والآخر، سبق للرئيس بوش أن أعلن أنه ليس لديه أي خلاف مع الشعب العراقي، فهذا كلام لا أساس له من الصحة، والدليل على ذلك الواقع، فقد قام بإلقاء ما يعادل سبع قنابل نووية على العراق في عام 1991.

إن تدمير قوة الأمة وإرجاعها إلى الخلف ولتنتهي حيث بدأت هو هدف من أهداف أعداء الإسلام، وقوة العراق كشعب مسلم أمر يخشاه الغرب الكافر ليس لأن صدّامًا لا يسير على ركابهم ومنهجهم كلا، ولكن لأن القوة قد تصير يومًا من الأيام لمن لا يسير في ركابهم ومنهجهم الضال، ولأجل ذلك فهم حريصون على تدمير العراق ويخططون لذلك من وقت بعيد، فقد جاء في مقال نشرته صحيفة"كيفونيم"اليهودية بتاريخ 20/ 4/1402هـ: (وأما العراق فهي غنية بالبترول، وفريسة لصراعات داخلية وسيكون تفككها أهم بالنسبة لنا من تحلل سوريا، لأن العراق يمثل على الأجل القصير أخطر تهديد لإسرائيل، وقيام حرب سورية عراقية سيساعد على تحطيم العراق داخليًا قبل أن يصبح قادرًا على الانطلاق في نزاع كبير ضدنا!) .

ولهذا فهم لا يزالون يصبون فوق رؤوس هذا الشعب البريء الرصاص والأسلحة الفتاكة، ولذلك يقول نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ووزير الخارجية كولن باول إن واشنطن لا تمتلك حتى الآن دليلًا على ضلوع العراق في الاعتداءات التي وقعت في نيويروك وواشنطن، ولكنها لا تنوي في أي حال من الأحوال تخفيف الضغط التي تمارسه على هذا البلد، ويقول وزير التجارة العراقي مهدي صالح في رده على غزوة نيويورك وواشنطن: (إن العراق يتعرض لتدمير متواصل من قبل أمريكا يوميًا، وحجم ما دمرته الطائرات الأمريكية والبريطانية يفوق حجم ما تعرضت له أمريكا من دمار - وأضاف قائلًا - بصرف النظر عن المأساة الإنسانية التي تعرضت لها الولايات المتحدة، فإن السياسة الأمريكية هي التي قادت إلى هذه النتائج) .

إن القوات الأمريكية التي جاءت باسم الحفاظ على الشرعية الدولية والقانون الدولي .. كان تدخلها سريعًا بل فائق السرعة وشديد الكثافة والتطور والقوة التدميرية وهو أمر قد يراد منه بث الرعب في نفوس المسلمين وإشعارهم بـ الهزيمة الداخلية، والضعف عن مواجهة الغرب ومدافعته، وهو هدف بحد ذاته لأنه من يهزمه عدوه من داخله فإنه لا يبقى أمامه إلا أن يصفي الساحة من فلول عاجزة دون جهد أو تعب.

وكل هذا الذي قلته وسطرته، ليس هو مجرد أعمدة صحفية أو نشرة إعلامية بل ليتأهب شباب الأمة ورجالات الدين، وأبطال الميادين في مكافحة شرذمة الأمريكان وعلى أمريكا أن تأخذ حذرها من التحرش في العرب والمسلمين، فهم أولو بأس شديد وأهل بطش ودهاء، إن العرب لا يرضون بالذل والإهانة، ولو على حساب ذهاب رقابهم وممتلكاتهم وأموالهم، فمفارقة الحياة أحب إليهم من الذل المهين، إن العرب لم يرضوا الذل والهوان رغم فقرهم وجوعهم وقلة مواردهم على طول تاريخهم الزاهر، وقد مرغوا بالتراب أعتى الممالك والإمبراطوريات، وقد تحدوا في الجاهلية التبّع اليماني في زمان كليب بن وائل وهزموه شر هزيمة في يوم خزار لأنه حاول المساس بشرفهم وأخذ ما لا يحق له بالقوة، ثم هزموا سابور ملك فارس في يوم ذي قار لأنه حاول أن يأخذ ما لايحق له بالقوة وحين ما جاء الإسلام بنوره العظيم، وانبثق من الجزيرة العربية المباركة أخضع العرب بالسيف الإسلامي أعتاى الأقطاب الدولية التي كانت تسيطر على الأرض كالرومان والفرس والأحباش، بل امتدت انتصاراتهم المباركة العطرة لتشمل أنحاء المعمورة وتمتد إلى الهند والصين وجبال البرانس، والعرب بسيف الإسلام والمسلمين من بعد ذلك أوقفوا زحف التتار، والمغول الذين اجتاحوا الأرض وكانوا من أعتى الشعوب وأصلفها وأكثرها جبروتًا.

هذا المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، يقول لما خرج على المسلمين عامل كسرى في أربعين ألفًا فقام ترجمان فقال ليكلمني رجل منكم، فقال المغيرة سل عما شئت قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد، وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السماوات ورب الأرضين تعالى ذكره وجلت عظمته إلينا نبيًا من أنفسنا نعرف أباه وأمه فأمرنا نيبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم [رواه الإمام البخاري في صحيحه 3159 من طريق المعتمر بن سليمان، عن سعيد بن عبيد الله الثقفي، حدثنا بكر بن عبد الله المزني، وزياد بن جبير، عن جبير بن حية به] .

وقد حكى بعض المؤرخين ابن جرير وغيره، عن الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه أنه لما دخل على رستم، وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة، والزرابي الحرير وأظهر اليواقيت واللآلي الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل عليه ربعي بثياب صفيقة، وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا و إلا رجعت، فقال رستم: إئذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك، قبلنا منه، ورجعنا عنه، ومن أبا قاتلناه أبدًا، حتى نفضي إلى موعد الله، قالوا: وما موعد الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقى، فقال: رستم قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم كم أحب إليكم يوم؟ أو يومين؟ قال: لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، فقال: أسيدهم أنت؟ قال: لا ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم، فاجتمع رستم برؤساء قومه، فقال: هل رئيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟، فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه؟ فقال: ويكلم لا تنظروا إلى الثياب وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل ويصونون الأحساب.

وما هذه إلا نماذج بسيطة من البطولات الإسلامية والعربية، وتاريخنا المجيد مليء بالقصص العجيبة، والمواقف الفريدة، التي أذهلت الأعداء وأذاقتهم وبال أمرهم، إن الواحد من الأمة الإسلامية يتسابق إلى الشهادة في سبيل الله، كما يتسابق الغرب إلى الحياة، همهم الأعظم، ومقصدهم الأكبر توحيد الله، وقتال الذين كفروا ابتغاء مرضاة الله ونصر دينه وإذلال أعدائه، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وما له على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة ) ) [متفق عليه من حديث شعبة، عن قتادة عن أنس رضي الله عنه] .

وأعظم الجود، الجود بالنفس، وأعظم القتال قتال الكافرين، وما هي إلا نفس واحدة، وليس ثَمّ غيرها حتى تجرب بذلها هنا وهناك، فشح بروحك واربأ بنفسك أن تذهب بدون جهاد للكافرين أو حديث نفس بذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (( من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق ) ) [رواه الإمام مسلم في صحيحه 1910 من طريق عبد الله بن المبارك، عن وهيب بن الورد المكي، عن عمر بن محمد بن المنكدر عن سمي عن أبي صالح، عن أبي هريرة] .

وإلى آخر هذه البطولات الخالدة الإسلامية سحق الإتحاد السوفييتي، التي هي ثاني دولة كبرى في العالم آنذاك، وأصبحت بعد ما كانت ولايات متحدة، ولايات متفرقة.

ثم هذه أمريكا لما تحرشت في المسلمين في أفغانستان، خرجت في النهاية تجر أذيال الهزيمة ولم تحقق ولا واحدًا في المائة من التي خاضت الحرب لأجله، وأعلنتها حربًا صليبية، وأصبحت تغطي فشلها في أناس مستضعفين، والتهديد بضرب العراق ونحو ذلك من الهمجية الرعناء، وكل يوم تقول بأنهم عثروا على خلايا من القاعدة، في أناس لا ناقة لهم فيها ولا جمل، من أناس موضفين في هيئة من الهيئات الإغاثية أو رجال أعمال أو نحو ذلك.

فأمريكا فشلت فشلًا ذريعًا في هذه المعركة ضد الإسلام والمسلمين، فهذه صحيفة"النيويورك تايمز"تنشر في عدد من أعدادها الأخيرة تقريرًا موسعًا، يعتبر بمثابة تقرير إدانة واعتراف بتورط القوات الأمريكية في قتل المئات من المدنين الأفغان، بسبب وجود عيوب وخلل في نظام الحرب الجوية الأمريكية، وذلك لاستخدام الأمريكيين الضربات الجوية، بدلًا من العمليات الأرضية، والتي سببت هذه أخطاء كبرى في قتل المدنين، حتى إن الزعماء الأفغان أخذوا يطالبون بأخذ مشورتهم في القيام بأية غارات جوية مرة أخرى، بل إن زعماء الأفغان يلمحون بأنه إذا استمرت هذه الأخطاء قد يطالبون بتحديد نشاطات أمريكا المستقبلية العسكرية.

كما أشارت الصحيفة المذكورة، إلى أن الحرب في أفغانستان، ليست هي المرة الأولى، التي تقوم فيها القوات الأمريكية بهجمات خاطئة تتسبب في قتل المدنيين، وتشير الأرقام الرسمية إلى مقتل 400 مدني عن طريق الخطأ، إلا أن المؤسسات الدولية الأخرى تؤكد مالا يقل عن 812مدنيًا أفغانيًا قتلوا بالضربات الجوية الأمريكية، وهذا لا يمثل الحقيقة، فقد تقدم تقريب العدد الصحيح، وتتوقع هذه المؤسسات أن يرتفع هذا بعد أن ينتهوا من عمليات البحث والمسح، وأشارت الصحيفة أيضًا، إلى أنه برغم العمليات الجوية الكثيرة، التي قامت بها القوات الأمريكية، وتسببت في قتل المدنيين، إلا أنه لم تنجح أمريكا في اعتقال أي أحد من قادة طالبان أو القاعدة في أفغانستان.

وهذه بريطانيا تسحب آخر فرقة لها لأنها لم تشارك في أي قتال داخل أفغانستان، ولم تقم بأية مهمة عسكرية ذات بال، فقد أطلقت وسائل الأعلام البريطانية لقب"فرقة العذراء"على هذه الفرقة العسكرية، التي أتمت رحلة العودة إلى الديار، وقد وصل الفوج الأخير من الفرقة وعددهم 160فردًا، لتنتهي بذلك إقامة حافلة في أفغانستان استمرت لمدة ثلاثة أشهر لنحو 1700جندي بريطاني، ومن المقرر أن يبقى من البريطانيين في أفغانستان نحو 100جندي من البحرية، في قاعدة"باجرام"الجوية قرب"كابل"لتقديم أي نوع من الدعم للقوات الخاصة، التي تضطلع بمهمة مطاردة مقاتلي القاعدة وطالبان، والتي لم تسفر مجهوداتها عن أي نجاحات تذكر منذ أشهر عديدة، فضلًا عن تعرضها للهجمات المستمرة بلا توقف!، وقد تعرضت القوات البريطانية في أفغانستان لانتقادات حادة، نتيجة الفشل الذي أبدته في أداء مهامها القتالية.

وتحدثت بعض التقارير عن كميات الذخيرة الهائلة، التي قامت القوات بتدميرها، والتي غالبًا ما كان يتبين أنها تابعة لفصائل أفغانية حليفة، أو يرجع تاريخها إلى عهد الاحتلال السوفييتي.

وهذه بعض الشخصيات تنتقد"بوش"في خوض معركة ضد أفغانستان، وأن هذه سياسة فاشلة.

وصف"جون كيري"عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن لاية"ماساتشوستس"والمرشح المحتمل للحزب في انتخابات الرئاسة

عام 2 .. 4م، سياسات الرئيس"بوش"المتعلقة بالشرق الأوسط بأنها تصرفات هواة.

كما شن"كيري"هجومًا واسع النطاق على أسلوب"بوش"في إدارة السياسة الخارجية، وشكك في بعض النقاط الاستراتيجية المتعلقة بالحرب في أفغانستان، وقال إن حكومته كثيرًا ما فشلت في إقامة حوار مع الحكومات الأجنبية، وفي صنع دور عالمي للولايات المتحدة، وأضاف قائلًا: (أعتقد أن الحكومة الأمريكية تصرفت بطريقة خرقاء وعشوائية على كثير من جبهات السياسة الخارجية) ، ثم أضاف أيضًا قائلًا: (كان الهدف كما حدده الرئيس، هو القضاء على القاعدة والإمساك بهم وبـ"أُسامة بن لادن"حيًا أو ميتًا، لم نقض على القاعدة، ولذا فدعونا لا نتظاهر أنهم أكثر خطرًا وهم متفرقون مما كانوا، وهم مطوقون ومحاصرون في جبال تورا بورا) ، ويذكر أن"كيري"كان قد حصل على وسام النجمة الفضية، أثناء خدمته على زورق نهري في فيتنام، لكنه عارض الحرب عقب عودته إلى بلاده، كما كان"كيري"من أوائل الديمقراطيين، الذين خرجوا على موقف الحزب في عدم انتقاد سياسة"بوش"الخارجية في أعقاب 11سبتمبر.

ومن هذا كله يبدوا أن القوات المشاركة في أفغانستان تحاول النجاة بنفسها، والخروج سريعًا من المهلكة الأفغانية، لذلك فقد بدأت الدول في سحب قواتها من هناك فبعد رحيل القوات البريطانية، بدأ الجنود الكنديون مغادة أفغانستان في ختام أول مهمة لهم في الخارج منذ الحرب الكورية.

ثم إن علينا أن نكافح هؤلاء الشرذمة الأمريكان، الذين طال شرهم، وفحش خطبهم، وعظم أمرهم، في تشريد المسلمين، وانتهاك أعراضهم وحرماتهم ونهب ممتلكاتهم ولقد دعانا شرعنا الإسلامي إلى الدفاع عن المظلومين والمنكوبين فقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} .

قال القرطبي رحمه الله تعالى: (قوله تعالى {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ْ حض على الجهاد، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه، واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده وإن كان في ذلك تلف النفوس .. ) [تفسير القرطبي 5/ 279] .

وقد اتفق أهل العلم على وجوب قتال الكفار المعتدين على بلاد الإسلام، فإن اندفع شرُّهم بأهل البلاد التي أُحلت أو اغتصبت كفى ذلك عن غيرهم، وإن لم يحصل ردُّ كيدهم وإقصاؤهم، فإنه يجب على من يقرب من العدو من أهل البلاد الأُخرى مناجزة الكفار وصد عدوانهم وهذا أمر معلوم بالشرع، ولا ينازع فيه مسلم.

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الكافي [1/ 205] : (فرض عام متعين على كل أحد ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار، وذلك أن يحل العدو بدار الإسلام محاربا لهم فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا وشبابا وشيوخا ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر وان عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا قلوا أو كثروا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه) .

كما علينا مقاطعة البضائع الأمريكية، لأنه كما تقدم أن القوة الأمريكية العسكرية مستمدة من القوة الاقتصادية، وقد آتت المقاطعة ثمارها، وظهرت نتيجتها، فقد قالت السفارة الأمريكية في الرياض: (إن ضعف الإقبال على شراء السلع الأمريكية أمر باعث على القلق) ، وقال مدير المكتب التجاري في السفارة الأمريكية: (إن انخفاض الإقبال على السلع الأمريكية كبير جدًا، نعم ونحن نشعر بالقلق من ذلك) .

وأدلة المقاطعة الاقتصادية من الكتاب والسنة كثيرة:

1 -فمن ذلك قوله تعالى: {وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} ، ولا ريب أن المقاطعة تغيظ الكفار، وتبث الرعب في قلوبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت