الدرس الثالث؛ الحكام المرتدون ولاة"بوش"على الأقاليم الإسلامية
لعلّ التّاريخ لم يشهد منذ فجر الإسلام إلى اليوم؛ ردّة أعظم وأخطر وأشمل من مجموع ردّة حكّام العرب والمسلمين.
فالحرب الأخيرة على العراق وقبلها على أفغانستان أثبتت بما لا يدع مجالا للشّك؛ أنّّّ حكّّام المسلمين جميعهم ليسوا سوى نوابا للرّئيس الأمريكي"بوش"، فلم يعد أحد يطمع أن يصل إلى السّلطة أو يستمر فيها إلاّ إذا أثبت براءته من دين الإسلام وأهل الإسلام وأظهر ولاءه الكامل لليهود والنّصارى وسائر المشركين.
فليس لهؤلاء الحكّام من مهام سوى اثنتين:
-مهمة"الشّرطي الجلاّد"الّذي يحارب عقيدة التّوحيد ويطارد الدّعاة إلى الله.
-ومهمة"كلب الحراسة"الّذي يرعى مصالح الغرب السّياسية والدّينية والثّقافية والإقتصادية والعسكرية في البلاد الإسلامية.
والغرب يدرك جيّدا أنّ وجود مثل هؤلاء الحكّام أمر حيوي إذا أرادوا أن يستمر لهم هذا الرّخاء المادي ويدوم لهم هذا التّفوّق العسكري، فهم وحدهم السّياج القادر على حمايتهم وحماية مصالحهم من"خطر الإسلام"، ولذلك وجدناهم لا يشترطون في حكام المسلمين ما يشترطونه في حكامهم وساستهم، فلا يشترطون الالتزام"بالمبادىء والقيم العالمية"كالدّيمقراطية وحقوق الإنسان والحريّة والعدالة وغيرها من"الثّوابت"الّتي ترتكز عليها أنظمة الحكم عندهم.
فهؤلاء الأذناب والأتباع لا يصلون إلى الحكم - في غالب الأحوال - إلاّ بالتّزوير، ولا يستمرون في الحكم إلاّ في ظلّ حالة الطّوارئ الدّائمة، وهم مع ذلك أشدّ النّاس عداوة للدّيمقراطية، وأعظمهم انتهاكا لحقوق الإنسان وأكثرهم فسادا وإفسادا للعباد، كلّ ذلك بتواطئ وتشجيع ومباركة من رؤوس الدّيمقراطية وأئمتها ودعاتها في"العالم الحر".
لقد غُمّ هذا الأمر على طوائف عظيمة من المسلمين لمدّة طويلة من الزّمن بسبب فُشوّ الجهل وبُعد النّاس عن معرفة حقيقة الدّين ومعرفة واقع الأمّة وأحوال هؤلاء الحاكمين، ولكن مهما استعصى على عوام المسلمين الإطلاع على خفايا السّياسة والإلمام بأصول الدّين، فإنّه لا يستعصى على أحد منهم بعد هذه الأحداث أن يعلم أنّ حكّام المسلمين قد انسلخوا عن الدّين جملة وتفصيلا، وغدروا بأمّتهم، وفرّطوا في أوطانهم، والتحقوا بأعدائهم، وصاروا منقسمين ما بين عميل وخائن وجاسوس ومشبوه.
فالمسلم البسيط لم يعد يحتاج إلى من يفتيه لتحصل له القناعة بأنّ هؤلاء الحكّام قد خرجوا عن ملّة الإسلام وكفروا بالله، وهو يراهم يغوصون في بحر الخيانة والعمالة كلّ يوم أكثر فأكثر.
ومن زعم من النّاس أنّ أمرهم لم يتبين له بعد؛ فهو ممّن طمس الله على بصيرته وأعمى قلبه لأنّه على شاكلتهم.
لقد شاركوا جهارا نهارا في التّحالف الصّليبي الكفري على عهد"بوش الأب"لضرب العراق، وهم وإن لم يُصرّحوا بمشاركتهم في هذا التّحالف الّذي يقوده"بوش الابن"، إلاّ أنّ معاونتهم لأمريكا وتأييدهم لها ورضاهم بما تصنع في العراق أمر لا ينكره إلاّ مكابر.
فدول الخليج كلّها؛ فتحت أراضيها وقواعدها العسكريّة ومطاراتها وموانئها للقوّات الأمريكية وشاركت بنصيب وافر في المجهود الحربي، وربّما كان عليها النّصيب الأوفر من نفقات الحرب، وأمّا باقي الدّول؛ فبين مؤيّد في السرّ ومؤيد في العلن، ولم تعترض على هذه الحرب إلاّ دولة أو دولتين، ولكن ليس غيرة على الإسلام أو العراق والعراقيين؛ وإنّما نصحا لأمريكا وإشفاقا عليها.
وهذا الصّنف أخبث، لأنّه علم - بحكم إطلاعه على أحوال المسلمين ومعرفته بحقيقة الدّين - ما لم تعلمه أمريكا، علم أنّ عدوانا على شعب من شعوب الإسلام وغزو أرض من أراضيه، وإن حقّّق لأمريكا أهدافا جزئيّة ومحدودة، فسوف تكون له نتائج عكسيّة، وسيترك - عليهم جميعا - آثارا سلبية، ويُسبّب لهم أضرارا لا يعلم مداها إلاّ الله.
فكم يُحزن هؤلاء الخونة رؤية الأمّة وهي ثائرة تدافع عن دينها وأرضها وكرامتها، وكم يخيفهم أن تتحوّل عاصمة الجهاد من كابول إلى بغداد، وكم يُؤذيهم أن تُفتح لهم جبهة جديدة قريبة من دورهم وقصورهم، وهم كانوا يطمعون في غلق جبهات كالجزائر وأفغانستان.
إنّه لأمر رهيب - بالنّسبة لهم - أن تعقد ألوية الجهاد وترفع رايات النّفير في العراق، لأنّ شرارة الجهاد لن تتأخّر طويلا حتى تطير إلى الشّام والحجاز ومصر واليمن وسائر البلدان.
لقد منعوا الشّعوب الإسلامية من التّعبير عن تعاطفهم مع إخوانهم في العراق، ولو كان ذلك التعاطف بالوسائل الّتي ترتضيها عقيدة الدّيمقراطيّة كعقد تّجمّعات للتّأييد أو تنظيم مسيرات للتّنديد، وقد رأينا النّاس عبروا عن معارضتهم للحرب في كلّ عواصم الدّنيا باستثناء العواصم العربية - خلا بعض الحالات المعدودة والنّادرة -
إنّ الصّمت المطبق الذي لزمته"الجامعة العربية"طيلة هذا العدوان هو خير دليل على أنّها لم تنشأ للدّفاع عن مصالح الأمّة العربية والحفاظ على كيانها، بل وُجدت لتخدير الأمّة وتنويمها ليسهل عليهم تمرير كلّ المخطّطات التّدميرية، ولا أدلّ على ذلك من أنّ فكرة إنشاء"الجامعة العربية"هي من وحي الإنجليز الّذين هم أعداء الإسلام والمسلمين من الطّراز الأوّل.
و"موقف منظّّّمة المؤتمر الإسلامي"- وليس فيها ما يدلّّّ على الإسلام إلاّ الإسم - لا يختلف عن موقف الجامعة، ففي الوقت الّذي كان يجب على هذه المنظّمة أن تقف إلى جنب أهالي الفلّوجة في محنتهم وألاّّ تسكت على الفضائع الّتي حدثت في سجن"أبي غريب"وغيره من سجون العراق وألاّ ترضى بما يحدث من انتهاك للحرمات واستحلال للأعراض والأنفس والأموال، راحت تؤيّد أمريكا في كلّ ما تأخذ وتذر، فاعترفت بالحكومة العراقيّة الغادرة وأيّدت الانتخابات الجائرة، وبرّرت كلّ الجرائم الأمريكية، وحرّمت كلّ الأعمال الجهادية المشروعة.
إنّ المواقف المخجلة والمخزية لهذه الدّول ممّا يجري اليوم في العراق؛ صارت من أبشع صور الخيانة والغدر والعمالة، وصارت عارا يلحق بالمسلمين جميعا، لا يغسله إلاّ دماء الحكّام وأعوانهم من الكهنة والسّدنة.
فهؤلاء الحكّام الزّنادقة لم يعد يهمّهم إلاّّ تعطيل شرائع الإسلام وهدم بيوت الله - حسّا ومعنى - ومحاربة كلّ فضيلة ونشر كلّ رذيلة، واتخاذ اليهود والنّصارى وليجة من دون المؤمنين، حتّى صار كفرهم لا يخفى حتّى على العجائز والصّبيان.
وكيف لا ؟! وهم يرونهم كلّ يوم يعيدون صياغة القوانين، كالقوانين السّياسية والإقتصاديّة والتّربوية، والّتي لها علاقة بدين النّاس وغيرها، بما يبعد الأمّة عن حضارتها ويسلخها عن هويتها ويجعلها تابعة للغرب بل جزءا لا يتجزّأ منه، حتى باتت التّوراة والإنجيل تُدرّس لأطفال المسلمين في مدارسهم الإبتدائيّة.
وهؤلاء الخونة الغدّر لم يكتفوا بإفساد قلوب الأجيال وتخريب عقولهم وضرب الأمّة في أعزّ مقوماتها الروحيّة، بل راحوا يعبثون بخيرات الشّعوب يُفسدونها ويٌبدّدونها ويُرهنونها، فعمدوا إلى الشّركات العمومية فباعوها للشّركات متعدّدة الجنسيات تحت غطاء"الخوصصة"وبحجّة رأس المال الأجنبي، ولم يكتفوا ببيع الشّركات الصّناعيّة والتّجاريّة ومرافق الخدمات وكلّ خيرات البلاد الباطنيّة بل باعوا حتّى الأراضي الزّراعية - كما حدث في المغرب - وهذا لعمر الله هو الاحتلال والاستعمار بعينه.
أيظنّ عاقل أن تردّ هذه الشّركات الأجنبيّة في يوم من الأيام ما اشترته من متاع المسلمين في سوق البيع والشّراء؟ كلاّ والله، فلن تسترجع الأمة ما ضاع منها على أيدي الخونة إلاّ في ساحات الوغى.
إن الحرب على العراق كشفت عن الهوة الواسعة بين الأمة وحكامها وفضحت هؤلاء المرتدين وأبانتهم على حقيقتهم، فعرف الناس أن هؤلاء الطواغيت هم توطئة الإستعمار ومقدّمة الإحتلال وتمهيد كل غزو، مكلفون بمهمة تحطيم قدرات الأمة المادية حتى إذا تقدم نحوها التحالف اليهودي الصليبي وجدها غنيمة باردة.
فكيف يرضى اليوم رجل يؤمن بالله ويرجو الدّار الآخرة ويغار على دينه وأمته وشرفه أن يستمر هؤلاء الملاعين في العبث بعقيدة الناس والتلاعب بمقدساتهم والاستهانة بحقوقهم وأعراضهم؟
كيف يبقى مكتوف الأيدي وهو يرى هذا السوس ينخر جسم الأمّة، لقد سمعوا النصيحة فلم يقبلوها، وبلغتهم الموعظة الحسنة فلم يفهموها، حتى قامت عليهم الحجّة ولم يبق من وسيلة لردعهم وكفّ شرورهم وتخليص الناس من فجورهم إلا الطعن والطعان، فصار قتالهم من أوجب الواجبات وأفضل القربات، وصار استرجاع المسجد الحرام من"أهل سعود"أولى من استرجاع المسجد الأقصى من أيدي اليهود، {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} .
فزعامة الأمّة يجب أن تُفتّك من أيدي هؤلاء الملاعين، إخوان الشياطين، خريجي المراقص الليلية، أعوان"السي أي أي"و"الكاجيبي"و"الموساد"، فلا يليق بعظمة هذه الأمة وقدرها إلا أبناؤها الذين وقفوا معها في ساعة العسرة، ونصروها ساعة عزّ النصير، وقدموا نحورهم ذودا عن حياضها.
اللّهم ردّ على الأمّة خلافتها الضائعة لترقّع ما مزّقه المستعمرون، وارزقها قائدا ربّانيا يصلح ما أفسده المجرمون، فإنك أنت القائل: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .