فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 339

وللذين زعموا أننا بغاة نقول:

إن كنتم ترون أن المجاهدين مؤمنين خرجوا على حكام مؤمنين، أليس فرضكم الإصلاح بين الطائفتين، فمتى بغت بعد ذلك إحدى الطائفتين على الأخرى قاتلتم التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله؟

فلِمَ وجدناكم تقاتلوننا بالقلم واللسان وتظاهروا علينا من يقاتلنا بالسيف والسّنان؛ حتى إذا أخزى الله أعداءه جميعا وانقلبوا بغيظهم لم ينالوا خيرا، أظهرتم آية الصلح ودعوتم إلى المصالحة وناديتم إلى العفو الشامل؟! أليس هذا علامة الغيّ ودليل البغي؟!

ثم نسأل: أيُعَدُّ باغ عندكم من تصدّى للذين أعلنوا الحرب على الله ورسوله وسعوا في الأرض بالفساد، وعطّلوا حدود الله وضيّعوا دينه واستوردوا للأمة من عند الكفار قوانينهم ولغاتهم وعوائدهم وأعرافهم، كما استوردوا منتوجاتهم الصناعية وبضائعهم الإستهلاكية؟

أَيُعّدُ باغ من قال لأمريكا؛ أخرجي جيشك من جزيرة العرب، لا يدنّسون بشركهم وفجورهم وشرورهم الحرم؟

أيُعدُّ باغ من حمل السلاح ذودا عن دين الإسلام ودفاعا عن أرض الإسلام وانتصارا لأمة الإسلام؟

أأنتم علماء دين أم علماء زور؟

أما سمعتم قول الله تعالى لنبيّه داود عليه السلام: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} .

لا شك أن هؤلاء العلماء البغاة يعرفون الحق كما يعرفون أرصدتهم البنكية وحساباتهم المصرفية، لأن الله تعالى يقول: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ... الآية} .

فهم يعرفون أن المجاهدين على الحق ولا ينصرونهم، لأنهم قليل مستضعفون، ويعلمون أن الحكام على الباطل ويتّبعونهم، لأنهم أصحاب شوكة متغلّبون، ويعلمون أن عاقبة الظلم وخيمة وأن دعوة المظلوم مستجابة ويَظلمون، ويعلمون أن من عادى لله وليا فقد بارزه الله تعالى بالعداوة ومع ذلك يجرؤون، ويعلمون أن حب الدنيا رأس كل خطيئة ويحبّونها، وأن الآخرة خير لمن اتقى ويذرونها، ويعلمون أن خير الأمراء الذين يأتون العلماء ولا ينتظرون، وأن شر العلماء الذين يأتون الأمراء ثم هم إليهم يعجلون، ويعلمون أن ثلاثة من كن فيه كنّ عليه؛ النكث والمكر والبغي، غير أنهم ينكثون ويمكرون ويبغون، فإنّا لله وإنا إليه راجعون.

فيا عشّاق الأرائك وهواة القصور والفنادق؛ لقد ظلمتم العلم، وأسأتم إلى العلماء حتى صار الناس يخشونكم على دينهم كما يخشون حكام هذا الزمان، ويحذّرونكم كما يحذّرون الفسّاق والسفهاء، وقد كان المسلمون على مر العصور يثقون في علمائهم أشدّ الثقة ويطمئنون إليهم كل الاطمئنان، حتى قال بعض السلف يصف حال الناس في زمانه مع العلماء: (الناس في حجور علمائهم كالأطفال في حجور آبائهم) .

ما لكم تزهّدون الناس في الدنيا ولا تزهدون؟ وتخوّفونهم بالله ولا تخافون؟

أما حفظتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثلاثة الذين تسعّر بهم جهنّم ومنهم: (رجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنّك تعلّمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) .

كيف تزعمون أنكم علماء وأنتم تعيشون في أمن وسعة ورخاء لم يصبكم أذى في دين الله ولو مرّة واحدة، ولا أصابكم مكروه في ذات الله ولو يوما واحدا؟

فإذا كان من"دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى الله في أرضه"- كما جاء في الأثر - فما عسى أن يحبّ من دعا بالبقاء للمبدّلين لشريعة الإسلام الحاكمين بغير ما أنزل الله؟ وما عسى أن يحب من جادل عن الفاسقين الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؟ وما عسى أن يكون حال من نصر الطواغيت الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا؟

لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ النّاس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب) .

وأنتم رأيتم الظالم ثم أخذتم على يدي المظلوم!

أليس هجر العاصين وعدم مساكنتهم هو مذهب علماء السلف رضي الله عنهم، وهو حكم من كان قبلنا من الأمم كما في قصة أصحاب السبت؟

فعلى الأمّة أن تحذر فتنة هذا الصنف من العلماء، وعليها أن تعلم أنّها ليست بحاجة إلى أمثالهم، وليست بحاجة إلى فتاواهم السامجة ومواعظهم الباردة.

وعليها - إن أرادت أن تميّز علماء الدنيا من علماء الدين - أن تعلم أنّ العالم الرباني في هذا العصر لا يخرج عن أن يكون أحد ثلاثة؛ إمّا شهيدا أو سجينا أو طريدا.

ولذلك فالذين ترونهم اليوم يترددون على أبواب السلاطين ويتقلبون في أعطاف النعيم بين نسائهم وأبنائهم وأموالهم، قد سهل عليهم دينهم حتّى صاروا لا يبالون بما آل إليه أمره، وهانت عليهم أمتهم فلا يكترثون بما آل إليه حالها؛ لا يُعقل أن نَعدّهم من العلماء الذين يحقّ لهم أن يتكلموا في دين الله، وحتّى من وجدتموه منهم لا يتنعّم ولا يتردّد فلا تحسبوه ممن هدي إلى صراط مستقيم فإنّ؛"من العصمة أن لا تجد".

وليعلم النّاس؛ أنّ كل عالم سوء فهو لن يضر شيئا، بل لن يضر إلا نفسه، فقد عرف الإسلام عبر تاريخه الطويل - جيلا بعد جيل وطبقة بعد طبقة - هذا الصنف من العلماء الذين يوالون ويظاهرون كل قوي ويؤيدون ويتبعون كل غالب، ولو كان من غير ملة الإسلام.

-فهم كانوا موجودين على عهد العبيديين، يدعون لهم على المنابر يوم الجمعة.

-والتحقوا بالتتار بعد سقوط بغداد، فزيّنوا للناس كفرهم، وبرّروا لهم ظلمهم ورضوا بفجورهم.

-وهم كانوا زمن الإستعمار، يفتون الناس بما يسرُّ المستعمرين ويرضيهم.

-وهم موجودون اليوم في مسجد باريس وفي الأزهر وفي المسجد الحرام وفي سائر بلاد المسلمين، يعرضون على الكفار والمرتدين خدماتهم بأبخس الأثمان، والله المستعان.

ونحن نقول لهم:

على رسلكم أيها الغاوون، فإنّ لله يوما يخسر فيه المبطلون، يوم تجتمع فيه عند الله جميع الخصوم.

ونقول لهم ما قالته تلك العجوز الحبشية على عهد النجاشي - للذي دفعها بكفه دفعة فكبّها على وجهها ظلما وبغيا: (سوف تعلم يا غدر إذا وضع الله الكرسي وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا) .

فنحن مهما عفونا وتجاوزنا عمن ظلمنا وهضمنا حقنا، فوالله لن نعفو عمن أساء إلى الدين ونصر المجرمين واتبع غير سبيل المؤمنين، وسنتعلق برقابهم يوم القيامة، ولن نتركهم يفلتون حتّى نسألهم أمام الله؛ لم خذلونا ونصروا أعدائنا؟ وبم استحلوا دماءنا وأعراضنا؟

اللهم إليك نشكو ظلمهم وبغيهم وخذلانهم.

اللهم اصرف عنّا كيدهم وادفع عنّا شرّهم، واكفينهم بما شئت، وخذ بنواصيهم إلى ما تحب وترضى.

اللهم احكم بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الحاكمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

كتبها

الشيخ؛ أبو عبد الله محمد

اللجنة الإعلامية للجماعة السلفية للدعوة والقتال

الطبعة الأولى، جمادى الثانية / 1426 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت