فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 339

ونقول للذين زعموا؛ أنّنا تطّرفنا في دين الله، ونَهجنا نهج الخوارج المارقين:

حتى لو سلّمنا جدلا أنّنا من الخوارج - ونعوذ بالله أن نكون منهم - هل كان يجوز لكم شرعا أن تعاونوا علينا أهل الردّة وتظاهروا علينا أهل الصلبان وإخوان القردة والخنازير والشيوعيين الملحدين؟!

هل كان يسوغ لكم في دين الله أن تتركوا أهل ا لأوثان وتتفرّغوا لقتال أهل الإيمان.

إن حادثة وقعت في تاريخ المسلمين هنا في بلاد المغرب، تبيّن لكل منصف باحث عن الحق مدى زيغ هؤلاء الأئمة المضلّين ومقدار انحرافهم عن سواء السبيل، وذلك أنّه عندما حدثت ردّة العبيديين، وتأكد كفرهم، ولم يخرج لقتالهم إلا أبو زيد الخارجي - وكان على مذهب الإباضية التي هي إحدى فرق الخوارج - ورأى العلماء في ذلك الزمان أن الناس متردّدون في القتال تحت راية هذا الخارجي، نادوا في المسلمين وقالوا: (قاتلوا تحت راية من آمن بالله ضد راية من كفر بالله) .

فعلماء ذلك الزمان لم يستعينوا بالعبيديين على قتال أبي زيد لأنه من الخوارج، بل استعانوا بابي زيد على قتال العبيديين لأنهم من الطواغيت المرتدين.

ولو وافق العلماء العبيديين وساروا في هواهم لكانوا من المحظوظين والمقربين، ولكنهم لمّا كانوا علماء حقا وكانوا يخافون الله ويخشونه، وكانوا أهل بصائر نافذة وفقه وفهم، جهروا بالحق ولم يسكتوا، ثمّ أجازوا الإستعانة بفرقة مبتدعة لإزالة فتنة الكفر التي لا يوجد في الدنيا مفسدة أعظم من مفسدتها، فعرّضوا بذلك أنفسهم للبلاء والشدائد والمحن والأهواء.

ثم نسألهم: هل كانوا هم من الخوارج حين أفتوا بوجوب جهاد الحكومة الشيوعية في أفغانستان إبّان الغزو الإتحاد السوفياتي لها؟

لقد كانت الحكومة المرتدة في ذلك العهد بأجهزتها ومؤسساتها المختلفة تؤدي شعائر الإسلام الظاهرة، حتّى كان"نجيب الله"- أحد رؤساء حكوماتها المتعاقبة - يصلي بالنّاس الجمعة، وهو أمر لم يفعله ولا حاكم واحد من حكام العرب والمسلمين اليوم.

أم أنّ هناك فرقا بين حكومة توالي الكفار الشيوعيين، وحكومة توالي الكفار الديموقراطيين؟

إنّ رمي المجاهدين بالغلو؛ هي كذبة مفضوحة، فالمجاهدون لم يكفّروا أحدا من المسلمين، بل كفّروا من أظهر الكفر ونشره ونصره وقاتل دونه، أمّا عامة المسلمين؛ فالمجاهدون لم يحملوا السلاح إلا غيرة على دين هؤلاء العامة وعرضهم وأرضهم.

وهؤلاء المفترون؛ هم أوّل من يعلم ذلك، ولذلك فهم لا ينقمون منّا لظنهم أنّنا نكفّر المسلمين، ولكن لأنّنا نكفّر اليهود والنّصارى ومن والاهم من المرتدين، وهذا أمر لا يخدم مشروعهم الطموح في إحداث مصالحة بين الأديان لتجنّب صراع الحضارات - بزعمهم - فتكفير اليهود والنصارى وذكرهم بالسوء وتحذير النّاس من عداوتهم ومكرهم؛ يفسد عليهم ما حاولوا"إصلاحه".

أم تروا كيف أنّ آيات كثيرة من كتاب الله صارت تزعجهم ويضيقون بها ذرعا كآيات القتال والآيات التي فيها ذمّ لليهود والنصارى! ولولا أنّ هذه الآيات بيّنها الله للنّاس في كتابه لأخفوها وكتموها.

لقد قال الله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} ، فاسألوا هؤلاء الدجالين كم آية في كتاب الله يجدون في صدورهم حرجا منها؟ واسألوهم كم آية في كتاب الله يمرون عليها قراءة ويعرضون عنها شرحا ودرسا؟ وكم آية يخفون تفسيرها ويبدون تأويلها ويحرّفون كلمها عن مواضعه؟

وقد دأب الطواغيت في هذا الزمان؛ على مراودة الدّاعين إلى الله حتّى يفتروا على الله الكذب ويقولوا عليه غير الحق، وفتنوا لذلك المخالفين، وأجزلوا العطاء للموافقين، ولا غرابة في هذا لأنّ ذلك هو ديدن الكفّار مع أنبياء الله في كل زمان، قال تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا} ، فلا يكاد يوجد اليوم شيخ واحد أو داعية أو فقيه ممن له مكانةً وحظوةً عند حكام الردّة؛ إلا وهو من الذين افتروا على الله، أو على استعداد لأن يفتري على الله غير الذي أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم.

وذلك أنّ الحاكم الذي اتبع ملة اليهود والنصارى وتشبّه بهم قلبا وقالبا ووالاهم ظاهرا وباطنا وظاهرهم سرا وعلنا حتّى نال رضاهم؛ لا يمكن أن يقرّب أو يرفع أو يرضى عن عالم رباني لا يقول إلا الحق ولا يتّبع إلا الحق ولا يدعوا إلا إلى الحق، فلا الحاكم يرضى بمثل هذا العالم، ولا العالم يرضى بمثل هذا الحاكم، فظهر أنه لا يليق بكل حاكم مرتد كافر إلا كل عالم مفتر فاجر.

فأين الميثاق الذي أخذه الله على العلماء؟ قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} .

نظروا إلى اليهود لمّا نقضوا ميثاقهم ما فعل الله بهم؛ {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} .

وانظروا ما فعل الله بالنّصارى لمّا نقضوا ميثاقهم؛ {وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} .

ومن نقض ميثاقه من المسلمين فستطارده اللعنة وسيلحقهم نفس الوعيد الذي لحق كل الناقضين للمواثيق قبله، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ} .

ولا شك أنّ شيوخ الضلال بدؤوا يسيرون بخطى حثيثة على الدرب الذي سار عليه أحبار اليهود وعلماء النصارى، فقد بدأ يظهر فيهم الكتمان والإخفاء والتبديل والتحريف والإفتراء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ألا ترون كم هي كثيرة شحم بطونهم، وقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم: (أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها إن الله يبغض الحبر السمين) ، ورب شحم في بطونهم من مال الربا والقمار والمكوس وعائدات الخمور وسائر أبواب الحرام التي هي من بين أهم مصادر مال الفاسقين، ورب شحم في بطونهم من مال الرشوة التي قبضوها مقابل الفتاوى الملفقة التي ترضي الطواغيت وتغضب الله تعالى.

لقد كان الضحاك بن مزاحم رحمه الله إذا قرأ قوله تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ} ، يقول: (والله ما في القرآن آية أخوف عندي منها) .

وهؤلاء المحتالون قالوا الإثم وأمنوا وأكلوا السحت وما ندموا، وصنعوا كما صنع أحبار اليهود؛ {يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَاخُذُوهُ ... الآية} .

ولو كانوا يخافون الله تعالى؛ لقل رقادهم وطال سهادهم وكثر بكائهم وضعفت شهوتهم، فهزلت أجسادهم وشحبت وجوههم، لأنهم مسؤولون عن كل نفس من نفوس المسلمين تزهق وعن كل دم من دمائهم يسفك وعن كل عرض ينتهك، وعن الأسارى، وعن اليتامى والثكالى والأيامى، وعن كل مظلوم وكل جائع ومحروم، فهم أئمة المسلمين وأولوا أمرهم، فبعد ردة الحكام وخيانتهم صارت قضايا المسلمين وأمورهم معصوبة برؤوسهم، ولكن عندما تموت القلوب؛ يتبلد الشعور وينزع الحياء وينعدم الإحساس بالمسؤولية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت