فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 339

وعن صفوان بن عمر أنه قال: كنت واليًا على حمص فلقيت شيخًا كبيرًا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو، فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه فقال: (يابن أخي استنفرنا الله خفافًا وثقالا) .

ألا من يحبه الله يبتليه.

صبرًا على شدة الأيام إن لها عقبى وما الصبر إلا عند ذي حسب

سيفتح الله عن قربٍ يعقبه ... فيها لمثلك راحات من التعب

ويقول سيد رحمه الله:(إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال، فلا يكفي أن يقول الناس"آمنا"وهم يتركون لهذه الدعوى؛ حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم، خالصة قلوبهم؛ كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به، وهذا هو أصل الكلمة اللغوي، وله دلالته وظله وإيحائه، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب، هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت وسنة جارية في ميزان الله سبحانه؛ {ولقد فتنا الذين من قبلكم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}

وإن الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم لها أهل، وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص، وإلا الذين يؤثرون على الراحة والدعة وعلى الأمن والسلامة وعلى المتاع والإغراء، وإنها لأمانة الخلافة في الأرض، وقيادة الناس إلى طريق الله وتحقيق كلمته في عالم الحياة. فهي أمانة كريمة، وهي أمانة ثقيلة، وهي من أمر الله يضطلع بها الناس ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء) انتهى كلامه رحمه الله.

فإن على الفئة المقاتلة التي سلكت طريق الجهاد في سبيل الله أن تعي طبيعة المعركة ومتطلباتها نحو هدفها المنشود وطريقها الذي لابد أن يعبد بدماء الصالحين من أبنائها، وأن تدرك أن هذا الطريق فيه فقد للأحباب والأصحاب، وترك للخلان والأوطان؛ كما قاسى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم خير الخلق بعد الأنبياء مرارة الهجرة وفقد المال والأهل والدار كله في سبيل الله ... فأين نحن منهم؟!

وما على هذه الفئة إلا ان تصبر في طريقها الذي سلكته، وأن تحتسب عند الله ما قد يقع لها من فقد بعض القيادات والأفراد، وأن تمضي على دربهم وتعلم أن هذه سنة الله عز وجل، وأن الله يصطفي من هذه الأمة من عباده الصالحين، وألا تتعجل النصر فإن وعد الله آت لا محالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت