ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء فيما يحبون وفيما يكرهون، وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتوا على الطاعة العبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقًا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية.
ومنها: أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا، فاستوجبوا منه العزة والنصر، فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والإنكسار، قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} ، وقال: {ويوم حنين إذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} ، فهو سبحانه إذا اراد أن يعز عبده ويجبره وينصره كسره أولًا، ويكون جبره له وانكساره له ونصره على مقدار ذله وانكساره.
ومنها: أن الله سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها.
ومنها: أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانًا وركونًا إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه ويقطع منه العروق المؤلمة، لاستخراج الأدواء منه ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه.
ومنها: أن الشهادة عند الله من أعلى مراتب أولياؤه، الشهداء هم خواصه والمقربون من عباده وليس بعد درجة الصدّيقيّة إلا الشهادة، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء، تراق دمائهم في محبته ورضائه، ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسلط العدو). انتهى كلامه رحمه الله.
يقول الله عز وجل: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} .
قال الإمام ابن القيم في الفوائد: (في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه؛ لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد، أوجب له ذلك أمورا.