منها: أنه لا أنفع له من امتثال الأمر وإن شق عليه في الابتداء، لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح، وإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع، وكذلك لا شي أضر عليه من ارتكاب النهي وإن هويته نفسه ومالت إليه، فإن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب، وخاصية العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبها من الألم العظيم والشر الطويل.
ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور والرضى بما يختاره له ويقضيه لما يرجو فيه من حسن العاقبة.
ومنها: أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه شيئاَ، بل يسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما يختاره، فلا أنفع له من ذلك.
ومنها: أنه إذا فوض أمره إلى ربه ورضي بما يختاره له، أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له مالم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.
ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة وينزل في أخرى ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه، لأنه مع اخياره لنفسه، ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه المقدور مع العطف عليه واللطف به فيصير بين عطفه ولطفه، فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يهون عليه ما قدره. إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده، فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحًا كالميتة؛ فإن السبع لا يرضى بأكل الجيف) انتهى كلامه رحمه الله.
باتت تذكرني بالله قاعدة ... والدمع يهطل من شأنيهما ما سبلا
يا بنت عمي كتاب الله أخرجني ... كرهًا وهل أمنعن الله ما فعلا
فإن رجعت فرب الخلق أرجعني ... وإن لحقت بربي فابتغي بدلا
ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرني ... أو ضارعًا من ضنا لم يستطع حولا
روى الطبري في تاريخه عن ابن اسحاق: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (شهدت أُحدًا مع رسول الله صلى الله عيه أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذّن مؤذن