القرار الجديد بعودة الشرطة وأجهزة الأمن إلى الشوارع قُرئ باعتباره نذير من السلطة التي بدت عازمة على ارتكاب حمام دموي لوقف الاحتجاجات. لكنه فشل أيضا في احتواء الموقف. وتحدى المصريون النظام بالإعلان عن بدء مرحلة المظاهرات المليونية التي ستحتشد في ميدان التحرير وتشمل مدنا كبرى. والأهم من هذا أن المصريين باتوا يتحضرون لعصيان مدني شامل إذا ما استمر مبارك في العناد ولم يرحل.
لا ظهر للسلطة اليوم سوى الجدار. فبعد أن استسلمت الولايات المتحدة لضغط الشارع، رفعت الغطاء عن النظام، وقالت، بصريح العبارة، أنها لن تتدخل بين الشعب المصري والنظام؛ وبعد بيان الجيش بأنه لن يمس المحتجين؛ وبعد التحدي الشرس الذي أبداه الشعب المصري لأعتى نظام قمعي في العالم العربي فقد صارت السلطة مكشوفة تماما. فهي لن تستطيع قمع الشارع لا بالجيش ولا بالشرطة ولا بأجهزة الأمن ولا ببلطجيتها ولا بأية قوة خفية أو ظاهرة.
هكذا تكون السلطة الحمقاء لعبت كل أوراقها وخسرتها بأسرع من البرق دون أن تجني مكسبا واحدا إلا العار والفضيحة. أما الجيش الذي حيد نفسه عن المساس بالشارع، سواء بقرار من الرئيس أو من قياداته، فلم يعد بمقدوره التدخل حتى لو كان مواليا للسلطة حتى العظم. لكن إذا حصلت مفاجأة دموية ضد الشارع من قبل أية قوة أمنية نظامية فستكون نهاية النظام حتما. أما إذا تدخل الجيش بقوته العسكرية فستكون نهاية النظم العربية خاصة التي ساندت النظام علانية دون بصيرة. هذه المعادلة باتت صالحة لمصر ولغيرها من الدول العربية.
ثلاثة وعشرون عاما من حكم بن علي لتونس فترة ليست طويلة، فقد حكم غيره أكثر!!! فالزمن لم يكن مقياسا لشرعية الحكم في النظم العربية. فالمقياس كائن في الحُمولة السلوكية للحكم من قهر وحرب وإذلال وفساد وإفساد وطغيان واستعباد وامتهان للكرامة وانعدام للحريات. هذا ما يجب فهمه من وقائع الثورة التونسية التي استهدفت الطغاة وحمولتهم. أما ما يجب أن نتعلمه من الثورة المصرية فهو التحدي الذي يبديه الشارع، والذي لم يعد يتحمل أدنى عبث بمصيره. والحكيم لا يعبث مع الشارع. فهل من متعظ؟