فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 413

د. أكرم حجازي

لا توجد منازلة بلا هوية أو هدف. حقيقة بدهية لا تحتاج إلى إيضاح، ولا هي موضع اختلاف، ولا يجب بأي حال من الأحوال أن تغيب عن البال. فمن الواضحات التي لا يماري بها أحد أن الدول والنظم العربية الحديثة ولدت من رحم القوى الاستعمارية لغايات استعمارية. وبالتالي فلم تكن في يوم ما، بالنسبة للحاكم وحكوماته وجماعاته وأحزابه وحركاته السياسية؛ أو بالنسبة لطائفته وحاشيته وعائلته أو حتى لزوجته، أكثر من امتياز شخصي، أو منظومة خدمات أمنية، أو شركة استثمار للنهب والتوريد للـ «المركز» الرأسمالي العالمي. وعليه فإن كل قطرة دم سقطت في تونس أو مصر أو ليبيا لا يمكن أن تختلف، هويتها وغايتها، عن أية قطرة دم سقطت في اليمن أو سوريا. فهي دماء واحدة تدفعها الشعوب ضريبةً للتخلص من الهيمنة والتبعية للـ «المركز» ، وفي القلب منه «إسرائيل» ، تلك الدولة المارقة التي زُرعت في قلب العالم الإسلامي وقطعت أوصاله، وشلَّت فاعليته.

أما إذا جادل أحدهم في مثل هذه الواضحات؛ فلن تتمكن الشعوب العربية من حل معضلة واحدة من معضلاتها، ولن يكون بمقدورها استثمار تضحياتها، وتبعا لذلك لن يكون بوسعها التحكم بمستقبلها، ولا الاطمئنان على مصيرها أبدا. من الصحيح أن يرى البعض الأولوية في التخلص من الطغاة والطغيان. لكن من الخطأ الفادح أن يظن هذا البعض أن مشكلته مع الطغيان داخلية لا شأن لأمريكا أو إسرائيل بها. وما نحسبه والله حسيبه، أن الشهيد الذي يسقط في سوريا اليوم هو ذاته الذي يسقط في ليبيا أو اليمن أو أي مكان آخر. والسبب هو ذاته. والنتيجة ستكون ذاتها.

ومن الواضحات أيضا أن الدول العربية أو النظم السياسية القائمة ليست أصيلة المنبت والمنشأ حتى لو كان لبعضها عمقا تاريخيا وسياسيا. وهي إنْ اتصلت بتاريخ ما، أو أحيت لها تاريخا قديما؛ فليس لشيء إلا لتنقطع عن كل أصالة تربطها بعقيدتها ودينها وثقافتها الإسلامية، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. هكذا لدينا دول هجينة، بلا حاضر أو مستقبل، وبلا أية هوية إلا من الجدل المصطنع حولها!! فلا هي دول عربية تُعرَف، ولا هي دول إسلامية تُعرَف، ولا هي دول غربية، ولا دول وثنية، ولا هي دول طارئة، ولا دول دائمة!!! فماذا تكون؟ الله أعلم .. لكن حالها في ذلك كحال النظم الحاكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت