أشرار الثورات والأمة
في أوقات سابقة احتاجت الأمة إلى سنين طويلة، إن لم يكن عقودا كاملة، لكي تتأكد، ليس مما بدا لها حقائق ثابتة بل، من شبهات كانت أوضح من الشمس، لكنها ما كانت لتبلغ الحقيقة، رغم وفرة المؤشرات، وحتى الأدلة والبراهين. وفي زمن الثورات، حيث توزن الدقائق بقنطار من الذهب، ثمة قدرة عجيبة ومدهشة على إحداث تمايز حتى في أخطر النوازل وأدقها وأشدها حساسية .. تمايز ثمين يساهم، من حيث لا يحتسب الأشرار أو يتمنون، في ضبط إيقاع الثورات القادمة وتجاوز مواطن الخلل فيما سبق منها!!
حتى اليوم، تبدو الثورات العربية محلية الطابع. لكن مفارقاتها باتت تفضح ما يدور في «المركز» ، مثلما تفضح حقيقة نظم «الهامش» . ولعل في هذا ما يفسر الاعتراض الدموي لها. فما يجري في ليبيا واليمن وسوريا، ليس سوى حروب إسرائيل و «المركز» الطاحنة، لمعاقبة الشعوب الساعية إلى الخروج عنهما .. لكن بأيد محلية، بحيث تبدو أيادي الدولة اللقيطة .. الوالغة بالدماء والأشلاء، طاهرة وعفيفة .. وأرحم على الشعوب العربية من حكامهم!!! .. حروب ما توقفت في يوما ما، لكنها، مع ثورات اليوم، أصبح رموزها وأدواتها وآلياتها، عرضة للتعرية والبغض والسخرية من كل جانب.
العجيب في المفارقات أن نجد ممن لا يمكن تصنيفهم بأقل من «أشرار الثورات والأمة» يجتهد، ويجاهر، ويعاند في تحقيق أهداف «المركز» وطموحاته، بعلم أو بجهل، وقبل الثورات وخلالها وبعدها، في الوقت الذي يتطاير فيه شرر الثورات ليصيبه وأسواقه بالفزع، ويضيء بعضا من معاناته التي قد تودي بقيمه السياسية (الحرية والديمقراطية) والاقتصادية (الرأسمالية) والأخلاقية (المساواة والعدالة) على السواء!!!
المفارقات، في إطار الصراع بين «المركز» و «الهامش» ، غزيرة ومثيرة، ولا تخلو من طرافة أو غرابة تثير الدهشة، لو تأملنا بها قليلا. ونظرا لأهميتها، في سياق الثورات، سنتوقف عند إحداها، مع التأكيد على أننا سنتابع بعضها في حلقات قادمة.
بداية؛ فإن التقييم الموضوعي للثورات ينبغي ألا يتجاوز عن اعتبارها، بالدرجة الأولى، حصيلة لتراكمات من عقود الهيمنة الغربية، والاستبداد، والطغيان، والاحتلال الداخلي، والفشل، بشتى صوره وأشكاله. أما توصيفات «القاعدة» للحكام العرب بـ «الطغاة» و «المستبدين» ، والتي كانت إلى وقت قريب محرمة الذكر، فقد غدت، مع الثورات، من المفردات الشائعة، على كل لسان، وفي الإعلام العربي والغربي نفسه!!! وهذا يعني أن خطاب «القاعدة» تجاه النظم السياسية لم يكن مجحفا بحق رموزها، حتى لو تجنبته القوى الثورية أو الجماعات الخصيمة لـ «القاعدة» . بل أن الوقائع التي تكَشَّفت، حول ماهية النظم العربية، تؤكد أن الأمر أبعد من الطغيان وأعمق من الاستبداد. وما بدا من مؤشرات ثقيلة، على قلتها حتى اللحظة، ليس سوى قمة جبل الجليد .. وما ينطبق على تونس ومصر أولى أن ينطبق على بقية النظم العربية.