فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 413

القاعدة ومدنية الثورات

د. أكرم حجازي

ثمة من تساءل في البداية: أين القاعدة من هذه الثورات؟ وثمة من رأى بأن القاعدة ليس لها يد فيها، وآخرون تهكموا على القاعدة بالإشارة إلى أن ما فعلته الشعوب كان الرد الصحيح على ما تفعله القاعدة. بعض هؤلاء أخطؤوا القراءة وطرحوا السؤال الخطأ دون روية، وبعضهم الآخر غاب عن المشهد لعشرات السنين ثم أحضرته ثورات لا ناقة له فيها ولا جمل. والواقع أن القاعدة أيدت الثورات، وحرضت عليها حتى قبل أن تندلع. ورغم تجنب الثورات للقاعدة وحتى التنكر لها، خشية الانقضاض عليها، إلا أن القاعدة، من جهتها، تعاملت بذكاء حاد معها، فقد كان بمقدورها انتهاز الفرصة والتدخل ضد النظم، وهي الوحيدة القادرة على ذلك!! لكنها حرصت، كما حرص الثوار، على طابعها المدني.

هكذا فوتت الفرصة على النظم من المساس بحركة الشارع، وجنبت الثورات بطشا ما فتئت النظم تحضِّر له عبر كيل الاتهامات عن علاقة مزعومة للمتظاهرين بـ «القاعدة» (ليبيا واليمن) أو «السلفيين» (سوريا) أو «المندسين» (مصر) .

لكن بعض الذين هالهم البطش من قبل النظم العربية في التعامل الدموي مع الثورات الشعبية، تمنوا لو أن الثوار امتشقوا السلاح، إما للدفاع عن أنفسهم وأهليهم وممتلكاتهم وإما لإسقاط النظم بالقوة المسلحة. والبعض الآخر عجب من تمسك الثورات بالتعبير الشهير «سلمية» والدفاع عنه بدمائهم بينما تصر النظم على جرّ الناس إلى الخيار المسلح بكل السبل الممكنة. والمؤكد أن التعبير عن سلمية الثورات الشعبية لم يكن اعتباطيا ولا هو بصادر عن هوى في النفس بقدر ما هو واقع في صميم التكوين النفسي للبشر. بل أن كلمة «سلمية» تجد صداها العميق في العبارة البليغة التي خطها العلامة المسلم ابن خلدون في مقدمة كتابه الشهير «العبر ... » حين قال: «إن الإنسان مدني بالطبع» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت