أما الذين لم يسبق لهم أن تواجدوا في الأمة، أو تآمروا عليها، وخذلوها، وأحبطوا فيها كل مسعى، أو بارقة أمل فقد رأوا في هزيمة هؤلاء فرصة ذهبية للشماتة بهم، وتبرئة أنفسهم مما لحق بها من عار حتى أنهم غرقوا في مستنقعات الخيانة، فقالوا: ألم نقل لكم؟ لكنكم لم تسمعوا لنا!!!
هذه الحقيقة تنطبق على الجماعات الإسلامية بنفس القدر الذي تنطبق فيه على العلمانيين. ولو أخذنا بالنتائج لعقود من الصراع، وتتبعنا كل العمليات السياسية في صناديق الاقتراع، وكل الانتفاضات السابقة، السلمية والمسلحة، وحيثما انتفض الناس في البلاد العربية، بما فيها الفلسطينية لكانت النتيجة صفر وما دونه. فقد تعرضت جميعها للإجهاض من داخل حركاتها بألف حجة وحجة، ليس أدناها منزلة إلا تلك التي انتقلت من النقيض إلى النقيض، أما من بقي لديهم ورقة توت فتعللوا بما عبّر عنه أحد المفكرين بـ «شرك المكاسب» أو المحافظة على «الإنجازات» !!! .. هذه «المكاسب» التي صار الحفاظ عليها من «الخسارة» الموهومة شماعة تعلق عليها الجماعات الإسلامية والحركات العلمانية الفشل والجمود والنكوص إلى الحد الذي تتصالح فيه مع النظام وتعتذر له عما سلف منها وتتبنى خطابه الأمني، وتسعى بلا مبرر، إلا من الذلة والخسة والمسكنة والخزي، لإثبات حسن النية والتغني بالحكمة والتعقل على طريقتها.
هكذا لم تظهر القيادات ولن تظهر. لأنها غير موجودة تاريخيا. ولأن بنية النظام السياسي وخصائصه لا يمكن أن تسمح بظهورها. ولأن النظام السياسي لم يلتزم بترقية أي قطاع في الدولة أو في المجتمع بقدر ما التزم بسياسات المركز المطالبة على الدوام بضرورة الحفاظ على «الاستقرار» و «لجم الجميع» عبر كبت الحريات، ومحاصرة الأحزاب، ومنع الجمعيات، وقتل المبادرات، واحتواء القيادات الناشئة، أو استمالتها، وتدجينها، أو خداعها، أو إغرائها، أو حتى تصفية العناصر الفاعلة فيها قتلا أو اعتقالا أو مطاردة ونفيا وتشريدا، أو بتهميش كل الشخصيات الاجتماعية سواء كانت سياسية أو دينية أو علمية أو ثقافية أو وطنية إلى حد التخلص منها وقتلها، إذا تطلب الأمر، أو تقييد حريتها وحركتها وتواصلها مع الأمة تحت طائلة التهديد بالسجن أو فرض الإقامة الجبرية عليها أو منعها من اعتلاء المنابر العامة أو بأية وسيلة أخرى ليس أو لها قطع الأرزاق ولا آخرها الإسقاط والتشويه وامتهان الكرامات، و «الضرب في سويداء القلب» كما يقول أحد عتاة المجرمين.
توحش النظام
مشكلة المشاكل جاءت بعد حرب الخليج الثانية، ففي خضمها وبعدها انقسم النظام السياسي العربي شر انقسام. ومعه انقسمت المجتمعات، وانقسم المفكرون والمحللون والصحافيون والعلماء، وانقسم الحجر والشجر، وصارت المواقف والسياسات العربية تتمايز على قاعدة: «من ليس معنا ضد صدام حسين فهو ضدنا» ! انتهت الحرب بتحطيم العراق والأمة، واستمر الحصار وطال. لكن المواقف صارت تتجه نحو المصالحة ومحاصرة العراق وصدام. فجأة، ودون مقدمات، وقعت هجمات 11 سبتمبر على أبراج مانهاتن في نيويورك، فوجدنا أنفسنا وجها لوجه مع العبارة إياها، لكن هذه المرة على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في مقالته الشهيرة: «