فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 413

فالشارع يدرك، منذ اللحظة الأولى، أنه لا يخوض ثورة فحسب بقدر ما هي ملحمة ذات فصول متعددة مركزها المشروعين الصفوي والصهيوني. وهذا أدعى إلى القول أن ثورته تجاوزت إسقاط النظام السياسي برمته، فضلا عن القول أنه تجاوز الوساطات والحوار، والرغبات الإقليمية والدولية، ومؤتمرات المعارضة في الداخل والخارج. فالمعركة لم تعد مع هؤلاء بل مع إيران وإسرائيل وأدواتهما وجها لوجه، في سوريا كما في المنطقة. فهل يمكن حقا القفز على معاناة الشعب السوري؟ وهل يمكن التعايش مع النظام؟

قد ينجح أصحاب الصفقات في الاتفاق على وأد الثور. لكن كيف يمكن لصفقة من هذا النوع أن تنجح دون أن يضع فاعلوها بعين الاعتبار قامات، ومكانات، ولحى، وأهل علم ومعرفة وخبرة، دُنِّست وانتُهكت كرامتها، وقُهِرَت حتى عجزت واستسلمت لبكاء مرير، بعد أن أعيتها كل حيلة مع نظام لا يملك أخلاقا ولا مبادئ ولا عقيدة؟ فهل جرّب هؤلاء قهر الرجال ونحيبهم!!؟ كيف غفل هؤلاء عن شعب يصرخ، بشبابه وشاباته وأطفاله ونسائه وشيوخه وكل فئاته وطوائفه وقومياته، بشعارات عجيبة من نوع: «الموت ولا المذلة» أو «الشعب السوري ما بينذل» أو «عالجنة رايحين شهداء بالملايين» !!! فما الذي يدفع شعب إلى تمني الموت أو الشهادة على الحياة في ظل النظام السوري؟ كيف عجز هؤلاء عن تفسير قابلية السوري لدفع حياته ثمنا لقاء لحظة هتاف تشعره بالحرية في مظاهرة مميتة؟

في 23/ 7/2011 قالت بثينة شعبان، مستشارة الرئيس السوري، أن ما يجري في البلاد هو استهداف لـ «نموذج العيش المشترك» !!! فعن أي نموذج تتحدث المستشارة؟ عن نموذج عيش صنعه النظام السياسي ليلائم نزعته الطائفية؟ أم عن نموذج أحرق النظام الاجتماعي بنار الطائفية التي اكتوى بها كل فرد في سوريا من شتى مكونات المجتمع العرقية والاثنية؟

فالمواطن السوري عايش نموذجا طائفيا بكل ما تعنيه الطائفية من امتيازات في التعليم والسكن والعمل والاستثمار والاقتصاد والتجارة .. وخبر التمييز على امتداد جيلين .. وهو الذي عايش الملاحقة الأمنية في دينه ومساجده من نظام يكره لا إله إلا الله والحمد لله والله أكبر، ولا يعرف وزراؤه وأركانه كيف يؤدي أحدهم فريضة صلاة (3) .. وهو الذي عايش نظاما اشتهر بالابتزاز والرشوة والإهانة والتزكية الأمنية .. وهو الذي عايش نظاما لا يعرف للحرمات أو الأخلاق والمبادئ سبيلا، بقدر ما عاث في الأرض فسادا، وزنا، وفاحشة، ورذيلة .. وهو الذي عايش نظاما قاتلا لا يرحم طفلا، ولا امرأة، ولا شيخا، ولا عجوزا، ولا شابا، ولا فتاة، ولا يتوانى أن يفتك بعشرات الآلاف من البشر دون أن يرتد له طرْف .. وهو الذي عايش التعذيب بأعظم ألوانه وأشكاله، مما لا يخطر على قلب بشر .. وهو الذي عانى من فَقْد أبنائه وتشريدهم في المنافي دون أن يعرف لهم طريق، أحياءٌ هُمْ أم أموات .. وهو الذي خبر .... فأي عيش مشترك هذا؟ وأي تخريف؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت