فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 413

د. أكرم حجازي

إذا توقفنا عن لغة المراوغة والاستهتار والنفاق التي يروجها الكثير من سفهاء الأمة يمكن القول بوضوح لا لبس فيه أن العالم العربي لم يعد قادرا على السبات أكثر مما فعل. فالدول العربية اليوم بين توصيفين: دول ضعفت قبضتها الأمنية وانكشفت سوأة النظام فيها وغدت شعوبها تنتفض بشدة بين الحين والحين، ودول ذات قبضة ما زالت قوية لكن شعوبها تغلي من الداخل وتراقب بصمت مريع ما يحدث في محيطها، وتتهيأ لساعة الحسم.

هذه هي الحقيقة ولا شيء غيرها. ولا شك أن النظم العربية أدركت حجم الكارثة التي تسببت بها ثورة تونس. مع ذلك فقد سخّرت كل إمكانياتها الإعلامية والعلمية والدينية للتأكيد على أن ما حدث في تونس غير قابل للانتقال إلى غيرها بدعوى اختلاف الظروف فضلا عن ترديد اسطوانة حرمة الخروج على ولي الأمر. بل أن منسوب الحذر من المراهنة على التمدد التونسي ارتفع حتى عند خصوم الدول ولدى المعارضين. وهذه مغالطات كبرى لأكثر من سبب ليس الآتي منها إلا بعضها:

-إن الدول ذاتها سارعت للإعلان، بين الحين والحين، عن إجراءات طارئة لمنع خروج الثورة التونسية من مواقعها. أما لماذا فعلت ذلك؟ فلأنها أدركت أن الشعوب العربية باتت قاب قوسين أو أدنى من الانفجار بدليل أن شرارة واحدة في تونس أحرقت بنيرانها واحدا من أشد الأنظمة العربية بطشا. والأسوأ أنها تسببت بانكشاف مذل لميزان القوى الحقيقي بين الشعب والنظام، أو بين قوى الدولة وأدواتها والمجتمع، ودون الحاجة لأية قوى سياسية أو شرعيات دينية تقليدية جرى تجاوزها كليا. وهذا أمر ليس له علاقة بأية ظروف أو أسباب موضوعية.

-كما أن الظروف تتشابه قلبا وقالبا أكثر مما تختلف. فالفشل واحد في كل الدول العربية بلا استثناء، وعلى كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية. وأوجاع المواطن واحدة، وشكاواه واحدة، وبؤسه واحد .. هذه التشابهات، وأمثالها كثير، حاضرة بدرجة تفوق كل الاختلافات والخصوصيات التي يجري الحديث عنها كموانع دون الانفجار. وبالتالي فإن أية حركة في أية دولة ليس من الغريب أن تجد صداها في دولة أخرى. وهذا أمر، أيضا، لم يعد الإصلاح معه مقبولا خاصة وأن الحديث يجري عن تغيير جذري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت