فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 413

الغنوشي

«الجواب الصحيح للمشكل الصحيح» !!!

د. أكرم حجازي

في الوقت الذي كان الطغيان يغرز مخالبه في شتى مناحي الحياة .. وفي الوقت الذي كانت فيه الأرواح تفارق الأجساد تحت وقع ضربات الاستبداد الوحشي .. وفي الوقت الذي كانت المقابر تتكتم على رفات الأحرار والأبرياء .. وفي الوقت الذي كانت سياط الجلادين تشق جلود المعذبين في السجون .. وفي الوقت الذي غدت فيه الدولة والمجتمع أوكارا للتجسس والتنصت على الأعراض والخصوصيات، وهي تحصي الأنفاس ليلا ونهارا .. وفي الوقت الذي غدت فيه مقدرات البلاد والعباد نهبا للصوص وقطاع الطرق والمتسلقين والمرتشين .. وفي الوقت الذي تصدرت فيه الرويبضة شأن الأمة والدين والتحدث عن المصير .. وفي الوقت الذي انحطت فيه أمة العرب إلى أسفل سافلين، هذا يغزوها وذاك يهينها وثالث يتبرأ منها ورابع يهزأ منها وخامس يستضعفها وسادس يمتطيها ويراقص زعاماتها .. وفي الوقت الذي استبيح فيه دين الله إلى حد التوظيف والتضليل والتلبيس والتحريف .. وفي الوقت الذي كان يحكم الأمة من أفتى بعض أهل العلم بكفرهم .. وفي الوقت الذي عجزت فيه أية قوة اجتماعية أو مرجعية دينية أو منظومة أخلاقية عن التغيير ..

في ذلك الوقت كانت الشعوب تراقب وقائع الظلم، وتكظم من الغيظ في الصدور، وتراكم من القهر ما يفيض عن قدرة الذاكرة الجماعية لها على الاستيعاب .. هذه الذاكرة التي صارت مجرد مخزن إيداع لاستبداد مهين لا يتوقف ولا يرتدع .. في هذه اللحظة انفجرت الشعوب غضبا، كما لو أنها كانت تنتظر فقط عود ثقاب طال أمد اشتعاله.

كنا كغيرنا نتوقع حركة شعبية شرسة للاحتجاج على هذا الواقع. لكننا نجزم أن أحدا لم يكن في تصوره أبدا أن تتقدم الشعوب بهذه الطريقة التي لم يسبق لنا أن ألفناها أو خبرناها بحيث يمكن لنا أن نقارب الأمر من قريب أو بعيد. فالجميع لا يدرك حتى اللحظة كيف تحولت الشعوب بين ليلة وضحاها إلى فاعل استراتيجي يهدد كل البنى القائمة والمحيطة به. وهذا التقييم ينطبق على النظم والدول وكافة الجماعات السياسية والاجتماعية التي تفاجأت كما تفاجأ غيرها. ولأن الحدث أقرب ما يكون إلى تدبير رباني لا شأن لأحد فيه، فلا يحق، تبعا لذلك، لأية قوة أن تنتقص من دور غيرها أو تنفرد بنسبة الفضل لها في هذا الانفجار الشعبي العظيم دون غيرها، كما أنه لا بد من الإقرار بالتفاوت بين هذا الفرد وذاك أو بين هذه القوة وتلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت