كان، ولما يزل، من المفترض أن تستثمر القوى الإسلامية هذا الحدث بالانحياز إلى الشعوب والاستقواء بها في مواجهة القوى المحلية المضادة التي انخرطت في الاستبداد وشرعت له ودعمته باعتباره أداتها في السيطرة والتحكم. لكن شغفها بالسلطة ألجأها إلى التحالف معها طوعا أو كرها. ولا يهم هنا التمييز بين القوى اللبرالية والعلمانية واليسارية الثورية وشقيقاتها العميلة.
وكان من المفترض أن تقرأ هذه القوى الحدث الشعبي من منظور عجزها أو فشلها السابق عن إحداث تغيير بحيث تقيم أداءها أو تقف عند أسباب عجزها وعدم قدرتها حتى على التنبؤ بمستقبلها ناهيك عن مستقبل شعوبها. نقول هذا ونحن ندرك أن هذه الجماعات بذلت جهودا جبارة، وهي في المنافي، لفتح حوار مع نظم الاستبداد أو التوسط لديها بل وحتى نصحها بما يتوجب عليها فعله أسوة بهذا الطاغية أو ذاك وإسباغ «الحكمة» على أعتى مجرميها!!!! لكنها فشلت في مساعيها، ولم تجد لها من فرصة إلا الثورات التي ركلت مؤخراتها فإذا بها في المقدمة تتربع على مقاعد السلطة والرياسة.
كان من المفترض أيضا أن تكون هذه القوى منصفة في تعاملها مع الحدث من حيث أنه ليس صنيعتها أصلا، فضلا عن أن فعلها السياسي، وهي في المنافي البعيدة، أو تحت وطأة المراقبة والتدجين، لم يرق إلى إحداث أي تأثير يذكر بقدر ما اشتد لهيب الاستبداد والظلم والقهر أمام ناظريها. في حين أن هناك قوى أحدثت فوارق جبارة في صراعها ضد قوى الهيمنة العالمية، سواء على صعيد الهيبة أو على صعيد الاستراتيجيات الجديدة أو على صعيد الرأسمالية كمنظومة اقتصادية دخلت طور النهاية.
وكان من المفترض أن توظف القوى الإسلامية كل عناصر القوة في الحدث لفرض خطاب تحرري في الداخل والخارج، بحيث يكون هدفها الاستراتيجي هو التخلص من الهيمنة الدولية التي أسست للاستبداد ورعت الاستعباد .. هذه الهيمنة التي لا يمكن أن تشعر الأمة بسيادتها أو استقلالها أو حقها في التمتع بحكم نفسها وإدارة مواردها وثرواتها طالما بقيت منصاتها وقواعدها مستوطنة في البلاد وسيفا مسلطا على الدولة والمجتمع. لكنها بدلا من ذلك تخلت عن الفاعل الاستراتيجي ولم تقتنص اللحظة التاريخية العظمى في مواجهة قوى الهيمنة بقدر ما سعت بكل جهد جهيد إلى طمأنة «المركز» بل والتحالف معه حتى على خوض حروبه بالوكالة. فأي مستقبل ينتظر القوى الإسلامية إذا كان قادتها سيتصرفون وفقا لما تشتهيه أشرعة «المركز» ؟
تونس والغنوشي
قديمة هي الحداثة في تونس قدم الاستعمار الفرنسي ذاته. بل أن الفرنسيين سلموا السلطة لبورقيبة، الرئيس الأول لتونس، بعد أن جعلوا من كمال أتاتورك مثله الأعلى فصنعوا منه عدوا لدودا للأمة والدين. ومن يعرف هذا «الأتاتورك» لا شك أنه سيعرف بورقيبة وما فعله في البلاد. وسيعلم أن المادة الأولى من دستور 1959، والتي تنص على أن: «تونس دولة حرة ومستقلة وتتمتع بالسيادة، دينها الإسلام ولغتها العربية ونظامها