فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 413

«القلق» الأمريكي على تونس!!!

عمار عبيدي

رغم كلّ شيء، ورغم الرسائل المطمئنة التي أرسلتها السلفية الجهادية في تونس إلى كلّ المجتمع بمختلف تمفصلاته سياسيا و فكريا، إلا أن هذه الرسائل لم تجد سوى الصد ومزيدا من الإقصاء منذ الأيام الأولى للثورة وحتى الآن. ولعل الجميع يذكر ما حصل لبعض الشباب السلفي عندما وقف بجانب ثوار ليبيا في مخيمات اللجوء أثناء الثورة الليبية لما كانوا يساعدون المنكوبين فحولتهم وسائل الإعلام إلى خطر من خلال تصويرهم كإرهابيين يريدون صنع إمارة هناك في المخيمات! ولم تتوقف الحملات في وسائل الإعلام وغيرها من وسائل الإقصاء ليس من الحياة السياسية فقط، بل أن الدعوة تواصلت إلى حد تصفيتهم بشكل صريح في بعض وسائل الإعلام.

لكن الأخطر من كل هذا هو دخول «آلة الفوبيا» الأمريكية و «قلقها» المعهود على شعوب المنطقة، وعلى مستقبل الديمقراطية الحديثة، على الخط، وكأنّها مهتمّة فعلا بمصير التّونسيين الذّين يعرفون جيّدا كم كانت الولايات المتّحدة والغرب، عموما، مخلصين تماما لصديقهم الجنرال الهارب بن علي، فقد أطلت الولايات المتحدة بدراسة تعيد إلى الأذهان صور التخويف وطرق أمريكا المعروفة في التصدي لأي فكر لا يتماشى مع رغبات الإمبراطورية المتعجرفة.

في سنة 2006 خرجت علينا مراكز البحث الأمريكية بدراسة مفادها أنّ الخلايا السلفية النائمة في شمال إفريقيا، و «خصوصا» في تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا، هي الأخطر على أمريكا في تلك الفترة، وهو ما استدعى حملة مركّزة من طرف أنظمة هذه البلدان على كلّ الشباب السلفي وغير السلفي باعتبار أنّ الحملة في تونس شملت بعد أحداث «سليمان» كلّ التيّارات حتّى جماعة الدعوة والتبليغ.

وتسبّب الضغط الأمريكي على المخلوع بن علي، المرتهن لديها ولدى كلّ الغرب- في هجمة شرسة مارستها المخابرات التّونسيّة- شملت أكثر من 9 آلاف شابّ، في أقّل من خمسة أشهر، وما أشبه يوم الثورة في تونس بالأمس المظلم!!! فها هي مراكز الدراسات الأمريكية «العتيدة» تطلّ علينا بدراسة أخرى تغيّرت فيها الأمكنة والأزمنة، وترسّخت فيها الدعوة إلى الحرب ضدّ السلفية الجهادية في تونس، رغم إقرار الدراسة ذاتها بأنّ أنصار الشريعة في تونس لم يطرحوا مواجهة مسلّحة مع النظام التّونسي. إذ تقول الدراسة بكلّ صراحة: «فرغم أنّ أنصار الشريعة لم يتورّطوا في أعمال عنف إلاّ أنّهم يتعاطفون مع تنظيم القاعدة» .

الدراسة لا تكتفي بوصفها «الموضوعي» بل تقدّم الحلول «لمواجهة هذا التهديد على حد تعبيرها (نعني أنصار الشريعة) يجب على واشنطن النظر في التعاطي مع الحكومة التّونسية الجديدة بشأن جهود التدريب المثلى واجتثاث التطّرف» ، نفس المنطق الذّي حكمت به واشنطن العالم لا يزال يحكم علاقتها بتونس الثورة، فهي وحدها من يقرّر ما هو التهديد؟ وهي من تبادر بطرح الحلول، وكأنّ الثورة مرّت في مجرّة أخرى.

ولعلّ الدراسة الأمريكية ليست الكارثة الوحيدة في سياق المثلّث «النهضاوي الامريكي والسلفي» ، فأوّل تصريح رسمي بعد فوز حركة النهضة في الانتخابات؛ جاء على لسان رئيس الحكومة الحالي حمادي الجبالي كان بمثابة عقد «جديد - قديم» بين النظام في تونس والولايات المتحدّة الأمريكية إذ يقول في سياق حديث مطوّل عن روابط الصداقة بين بلده وأمريكا: و «ستشاركها الحرب على كلّ الآفات» !!! وهي ذات الكلمة. لكن الجبالي لم يرد أن يفسد نشوة التونسيين بثورتهم، ولم يقل «الحرب على الإرهاب» ، ليذكر بسنوات الظلام التي مرت وبن علي يحارب شبابا آمن بالله، فكان قول بن علي: «السجن بالمرصاد» ! فماذا سيكون قول الجبالي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت