وفي المحصلة لا يمكن غض الطرف عن كون الأطروحتين حققتا حضورا لافتا في الأمة، أكثر من أي وقت مضى، رغم الحرب الضروس التي يشنها الأعداء والخصوم، سواء لجهة وجوب العمل على تطبيق الشريعة، أو لجهة تثبيت شرعية الدعوة. لكن الافتراق المنهجي بين جناحي «تيار الجهاد المدني» لا يمكن تفسيره بعيدا عن الفقر في الدراسات الشرعية الشاملة ذات العمق الاجتماعي .. دراسات تكشف عن خبايا الحكم الشرعي في الواقع الاجتماعي وليس العكس. وبالتأكيد؛ فإن ظهور دراسات من هذا النوع سيؤدي إلى تقليل مساحة الافتراق لصالح مساحة الوفاق.
تتقاطع أطروحة هذا التيار، الذي اتخذ من الجهاد المسلح منهجا له، تماما مع أطروحة «تيار الجهاد المدني» . والساعي إلى تحقيق أربعة أهداف على التوالي هي:
(1) تحرير البلاد الإسلامية من القوى الأجنبية ومما يعتبره أنظمة طاغوتية؛
(2) تطبيق الشريعة في حدود التمكين؛
(3) إقامة الدولة الإسلامية الممَكَّنة؛
(4) العمل على إعلان الخلافة الإسلامية.
مبدئيا؛ فالتيار لا يعارض «الجهاد المدني» أبدا. ولا صيغة الدولة الحديثة، أو إقامة علاقات دولية وحسن جوار، من موقع الندية، والحق في اختيار نمط الحكم، استنادا إلى الأحكام الشرعية، واستعادة الحقوق. لكنه يدرك استحالة قبول «المركز» أو «الهامش» بدولة تطبق الأحكام الشرعية. ولديه، كما رأينا في الفصول السابقة، قراءة واضحة وصارمة حول دور «المركز» تجاه دول «الهامش» ، التي تدور أنظمتها، طوعا أو كرها، في فلكه. وعليه فما من وسيلة لتجاوز هذه العقبات إلا بالخروج على «المركز» ومقاتلته، ولو في عقر داره.
أما أولى المحاولات فكانت في أفغانستان، لكن ليس بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي (15/ 2/1989) ، بل بعد تولي حركة «طالبان» السلطة في البلاد، حيث أعلنت إقامة أول «إمارة» إسلامية كاملة الأركان، بقيادة أمير المؤمنين الملا محمد عمر (1996 - 2001) . وبعد هجمات 11 سبتمبر غزت الولايات المتحدة البلاد وأطاحت بحكم «الإمارة» .
المهم؛ أن تجربة تطبيق الشريعة في أفغانستان كانت تجربة وليدة، وفاقدة حتى للخبرة الشرعية، لاسيما في مجال العلاقات الدولية. وهذا لا يقلل من أهمية التجربة وقوتها وجرأتها بقدر ما أظهر قصورا، في مستوى الفقه والسياسة الشرعية. وللإنصاف، فإن حركة «طالبان» ، صاحبة المبادرة، في تطبيق الشريعة، وإقامة دولة