د. أكرم حجازي
أثبتت وقائع الثورات العربية أن الطغيان، بالنسبة للطغاة، هو مسألة حياة أو موت. فهو عقيدة استبدادية، جبرية، لا دين لها ولا مبدأ ولا أخلاق تذكر إلا التشبث بالسلطة أو دفع الثمن باهظا. فلا محرم إلا ما حرمه الطاغية على نفسه. ولا مباح إلا ما أباحه الطاغية!!! ... لحظة من الزمن حملت إلى السلطة طغاة من العدم؛ فإذا بهم يتملكون البلاد والعباد والماضي والحاضر والمستقبل، وكأنهم مخلدون إلى الأبد ...
تبعتها لحظة حساب أظهرت أن القهر، والقمع، ومصادرة الحقوق، ونهب الثروات والموارد أو إهدارها، والتميز، والنفوذ، والسلطان، والجاه، والتحكم بأرزاق البشر، وعقائدهم، وكتم أنفاسهم، وملاحقتهم، ومطاردتهم، وتشريدهم، والتلاعب بمصائرهم، وخيانة قضاياهم ومقدساتهم، أو المتاجرة والتسول بها، أو بيعها بأبخس الأثمان، وخدمة الأعداء، والسهر على أمنهم، ... ليست كافية للرحيل ما لم يتوجها الطاغية بسفك الدماء على أوسع نطاق، وانتهاك الحرمات، وتدمير البلاد، وترويع العباد، أملا في البقاء في السلطة أو البحث عن مخرج لم يعد موجودا ...
حال عجيب وصل إليه الطغاة، لكنه ليس ككل حال!!! حال عبر عنه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أمام الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني وسفراء دول الخليج، حين رفض التوقيع على المبادرة الخليجية (19/ 5/2011) ، بجملة يتيمة تلخص كل الأمر، بدون لف أو دوران،: «لن أوقع على قطع رأسي» .
حقا!! إنها لعبارة طريفة ومثيرة ومدهشة أن يتفوه بها رئيس دولة يعلم علم اليقين أن كل الضمانات التي تلقاها للحيلولة دون ملاحقته أو محاكمته لا قيمة لها. ورغم أنه، كغيره، كذب طوال حياته حتى الرمق الأخير، إلا أنه في هذه كان صادقا كل الصدق فيما يقول، ومدرك تمام الإدراك أنه ما من ضمانة تحول دون القصاص منه، هو وكل الحاشية التي رافقته وعملت تحت رئاسته.