الإعلان لم يكن خطأ من حيث التوقيت أو القدرة على التنفيذ. فقد سيطر المجاهدون على مساحات شاسعة، وحازوا ثروات واسعة، ونسجوا علاقات عميقة مع السكان وشيوخ القبائل. ولا شك أن هذا الوضع يحتاج إلى إدارة وإلا أفلتت الأمور وسادت الفوضى. ولعل هذا، بالضبط، ما يفسر كلمة البغدادي في خطابه الصوتي: «دولة الإسلام باقية - 23/ 6/2008» لما قال: «إن الثمرة سقطت سقوطا حرا فالتقطناها قبل وقوعها في الوحل» !!
لكن الخطأ ربما كان في: (1) عدم تقدير أو توقع رد فعل الخصوم في الداخل والخارج، و (2) السرعة الرهيبة في الانقضاض على الدولة الوليدة وليس العجلة في إعلانها، و (3) طبيعة المجتمع العراقي الشهير بالخصومات التاريخية، والأهم (4) الانقلاب المنظم للعديد من الجماعات الجهادية على الدولة الوليدة ومحاربتها.
في المحصلة؛ فإذا كانت حركة طالبان حظيت ببضعة سنوات، فإن «دولة العراق الإسلامية» لم تحظ بأية فرصة على الإطلاق لاختبار التجربة، بحيث يمكن الوقوف بدقة على أسباب النجاح أو الفشل. لكن أيا كانت الأسباب أو النتائج، فما حصل في العراق مثّل بالنسبة لجماعات أخرى لحظة تقييم باهظة التكاليف لتدارك الأخطاء في مناطق أخرى، كما فعلت «حركة طالبان - باكستان» و «جماعات تطبيق الشريعة» في منطقتي وادي سوات ووزيرستان، وبصورة ملحوظة وقوية في الصومال على وجه الخصوص، حيث تسيطر «حركة الشباب المجاهدين» على ما نسبته 90% من وسط وجنوب البلاد، أو ما يجري في اليمن من محاولات حثيثة لتطبيق الشريعة في بعض مناطق الجنوب خاصة في محافظتي أبين والضالع.
هذه الأخطاء أو العوائق لم تسلم منها «إمارة القوقاز» بقيادة دوكو عموروف، والتي فقدت الكثير من قياداتها في الشهور القليلة الماضية. ولا شك أن الخسائر المؤلمة، خاصة لما يكون ثمنها باهظا في الأرواح والقيادات، تساهم في تراكم المزيد من الخبرات للتعامل مع الظروف المفاجئة أو المشاريع المقبلة.
الأكيد أن تطبيق الشريعة مسألة حيوية لا يمكن إحالتها إلى قرار سياسي أو مرسوم أميري، ولا هي مجرد أمنية أو رغبة رغم أن الحكم الشرعي ملزم، والعمل به عبادة وتقرب إلى الله. والأكيد أن الفشل أو العجز لا يصح رده إلى العامة من الناس لاسيما وأن الخلافات واقعة في صلب التيارات والقوى الناشطة وحتى بعض الدول.
فقد نقع على دعوات تستعمل «تطبيق الشريعة» ، سلبا أو إيجابا، لتحقيق أهداف سياسية، مثلما فعلت السودان لما ألغت تطبيق الأحكام الشرعية طمعا في تفاهم سياسي مع الجنوب. لكن حين غدا الجنوب على