د. أكرم حجازي
النظام الفتاك
سنة 1978 حضرت سيارة تابعة لمركز الشرطة وطرقت الباب، ثم سألت عن أخي فخرج إليهم مستفسرا عما يريدون. فقالوا له: أنت فلان؟ قال: نعم. قالوا: نريدك أن ترافقنا إلى المركز للإجابة على بعض الأسئلة!! فقال: أية أسئلة؟ قالوا: أسئلة عادية ثم تعود إلى بيتك. هكذا رافقهم الشاب .. وحتى الآن لم يعد إلى بيته. أما الأهل فيقولون: ذهبنا إلى المركز نستفسر عنه فأنكروا حضورهم .. ثم أنكروا معرفتهم بالواقعة!!! ثم راجعنا مراكز الشرطة فلم نحصل على أية إجابة تذكر .. راجعنا المخابرات والمستشفيات فلم نعرف له مكانا .. ولم نعرف إن كان حيا أوميتا. هكذا روى لي صديق من سوريا حكاية أخيه متابعا القول: أحد المولودين الجدد من جحيم السجون السورية خرج من السجن سنة 2004، واتصل بالأهل من مكان خفي .. وبصوت خفي ليهمس في أذن السامع عبارة يتيمة: «فلان حي وبخير» ، ثم أغلق السماعة واختفى ... رعب لا حدود له داخل السجون وخارجها.
هذا نموذج، فقط، لأزيد من 17 ألف مفقود في سوريا .. تعرضوا، في الكثير من الأحايين، لاختطاف، أو اعتقال، أو خداع، بسبب أو بدون أي سبب يذكر، إلا من التخويف، وإشاعة الرعب، كسياسة تبثها أجهزة الأمن، بحيث يصير حديث العامة فيما بينهم، سؤالا من نوع: إذا كان فلان البريء من أية فعل جنائي أو سابقة سياسية قد اختفى بلا أثر؛ فما الذي سيحل فيمن يعارض النظام سرا أو علانية؟
أما داخل السجون فوسائل التعذيب وأدواته في سوريا لا تعد ولا تحصى .. وهي، وإنْ كانت، مثيلة لأخواتها في البلدان العربية، إلا أنها ذات نكهة مميزة في سوريا، لا يعرفها إلا من تلقى لظاها .. وفي أدراج السجانين عصي بحسب الطلب .. فإذا استغاث برحمة الله قالوا: هاتوا عصاة الله! وإذا صرخ كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا: أحضروا عصاة محمد! فعصاة عيسى وعصاة موسى وعصاة إبراهيم .. ويا ويل من استنجد بالأسد؛ فعصاته ليست بالعصا!!!