من ليس معنا فهو ضدنا»! مقالة كشفت عن توحش الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وكانت النتيجة أنه ما من دولة عربية إلا واستهلكها الخوف من المقالة الأمريكية، فشرعت كلها، وعلى غير هدى، في التعبير عن استعدادها للاستجابة للمطالب الأمريكية. ولم تدرك الأنظمة أن العبارة تسببت بنزع آخر ما تبقى لها من مشروعية.
المشكلة الأعوص أن النظام السياسي العربي صار، مع الوقت، مثل الأمريكيين، يستثمر في «الحرب على الإرهاب» . فتولدت، حتى لدى العامة، قناعة بأن النظام خسر كل مشروعية ولم تعد له أية مشروعية إلا في موالاة الولايات المتحدة والاقتراب من إسرائيل وحتى من الحركة الصهيونية. وبدلا من التأني وحفظ بعض ماء الوجه أو المناورة السياسية، كما فعل الأتراك حين احتلال العراق، ألقت النظم السياسية، طوعا أو كرها، بكل ما لديها، من أوراق، في السلة الأمريكية، وتوحشت، حتى النخاع، بصورة غير مسبوقة في تاريخها.
ولأن الولايات المتحدة باتت تواجه خصما عقديا فقد تغيرت أدوات النظم العربية استجابة للسياسة الأمريكية، وتم الدفع بالعلماء إلى الواجهة من جديد، لكن بصورة أسوأ. فالبعض منهم انزوى، والكثير منهم ازدحمت بهم السجون، وكثير منهم صامتون، ومنهم سقطوا في قاع المطالب الأمريكية. وصرنا نسمع فتاوى فيها من العجب العجاب ما تشمئز منه النفوس والعقول. وأسوأهم تلك الفئة الموصوفة بـ «علماء السلطان» . فهؤلاء لا حديث لهم إلا عن طاعة ولي الأمر أيا كانت الأسباب والظروف والسياسات. بل أننا نراقب منذ زمن وجود علماء شرعيون لا يشتمل قاموسهم العقدي والشرعي إلا على مصطلحات، مبتورة ومشوهة وفاقدة لأية أسانيد شرعية صحيحة، خاصة لما يتحدثون عن الفتنة والإجرام والخراب وسفك الدماء وحرمة الخروج على ولي الأمر حتى لو كانت الشعوب هي من خرجت على الولاية .. بينما يطبقون صمتا، وكأنهم في غيابات الجب، لما يتعلق الأمر بالتصدي للاختراقات العقدية وحتى الخروج عن الدين والشريعة والأمة، ولا يدخرون جهدا في إجهاض أي مساس بالنظام. ولا ريب أن مواقف بعضهم تصب، دون مواربة أو خجل، في أطروحة المركز المهيمن على الأمة.
مثل هذه المواقف التي يعتقدون أنها تحصن النظام السياسي هي في الواقع تسقطهم من حسابات الأمة نهائيا، وتعجل بتهديد مصير النظام. فهي فتاوى لا فائدة منها إلا صب الزيت على نار مشتعلة. والأسوأ أنه صار لكل مسلم شيخه، والسؤال الطبيعي: من هم، إذن، مشايخ الأمة وعلماؤها؟ وهل يمكن الحديث عن علماء أمة إذا كان الموقف من الشيخ أو العالم يتحدد في ضوء الموقف السياسي بدلا من الموقف الشرعي؟ وحين تشعر الأمة وحتى أفرادها أنه لم يعد لها أية مرجعية يمكن الركون إليها أو الوثوق بها أو التظلم عندها أو التعبير عن طموحاتها واحتياجاتها حتى لدى العلماء الذين هم من المفترض الدرع الحصين للأمة؛ فهل من العجيب أن تقع الانفجارات الاجتماعية على شاكلة ما يحدث في تونس ومصر.
لا. ليس من العجيب أن يلجأ الفرد أو الشعب إلى تحصيل حقوقه بنفسه طالما أنه لم يجد من يحصلها له أو يصونها. لكن بقدر ما تبدو هذه الحركات الاجتماعية علامة بارزة على حيوية الأمة بقدر ما تبدو معرضة لخطر