فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 413

هذه هي الحقيقة بلسان واحد من أعتى المفكرين في الغرب. أما بلسان عربي مبين فلا يخفى على متابع أن النظم السياسية العربية لا تسمح البتة بأية منافسة تُذْكر للسلطة القائمة، حتى لو أدى الأمر إلى فتح ملف أمني لكل فرد في الدولة مهما علت مكانته أو انخفضت منزلته. فليس ثمة وجود لأحزاب سياسية إلا بوصفها ديكورات أو أدوات للسلطة. وليس ثمة وجود لمجتمع أهلي حر، ولا لمؤسسات أو منظمات غير حكومية يمكن الإشارة إليها بالبنان، ولا لشخصيات علمية أو دينية أو ثقافية أو زعامات محلية أو شخصيات اجتماعية نافذة أو ذات مكانة في المجتمع، ولا حتى لقبيلة إلا في السلطة أو على هامشها.

هكذا حال! لا يمكن لأحد أن يزعم فيه، ولو بعشر الحقيقة، أن الدولة أو المجتمع تحت المراقبة. بل أن الحقيقة .. كل الحقيقة أن المؤسسة الوحيدة العاملة هي مؤسسة الأمن. والأمن هنا ليس سوى منظومة طاغية تلزم الدولة، بكل تشكيلاتها بما فيها الجيش، وكذا المجتمع بكل تشكيلاته الاجتماعية ومنظوماته، بالعمل على سلامة النظام السياسي بقطع النظر عمن يتولى أعلى هرم السلطة. وهذا يعني ببساطة أن الدولة والمجتمع ليسا إلا مشاعا مستباحا فقط للمركز، أو لمن يمتلك السلطة، ويحتكر كل المرجعيات فيها. وعليه فلما يرفض أي نظام سياسي الاحتكام إلى أية مرجعية سياسية أو دينية أو علمية أو ثقافية أو أخلاقية أو قيمية أو إنسانية أو دستورية فلا يمكن أن يكون إلا تعبيرا عن عصابة متسلطة وليس نظام حكم. ويكفي أن يخل بواحدة من المرجعيات حتى يتبين مدى استعلائه على غيرها واستهتاره بها. فكيف يكون التفاهم مع نظام لا يرى أنه مسؤول أمام أية مرجعية عن أفعاله وسياساته في الدولة والمجتمع؟ وبماذا يمكن توصيف مثل هذا النظام بغير العصابة؟

أمة بلا قيادات

لما دخلت الفلسفات العلمانية، وخاصة الشيوعية منها إلى العالم العربي، والداعية إلى تثوير الجماهير، طرحت تساؤلات كثيرة عمن يتولى قيادتها، ونظّر فيها المنظرون عن الطرق الكفيلة بصناعة القيادات من رحم المعاناة والثورة، وقالوا بأن تثوير الجماهير كفيل بقدرتها على فرز قياداتها. وثبت بالدليل القاطع كيف فشلت الثورات والحركات الوطنية فشلا ذريعا، هي وأطروحاتها، وانتهت إلى المساومات والتراجعات والانهيارات وحتى العمالة. ولم يقل لنا هؤلاء أين هي القيادات التي تحدثوا عنها؟ ولم يطرح أحد منهم هذا السؤال على نفسه: لماذا فشلنا؟ ولماذا تحول الكثيرون منا إلى عملاء؟ ولماذا بحثنا عن الامتيازات والمغانم على حساب الأمة وعقائدها؟ ولم يخرج ولو قائدا واحدا ليعترف بالفشل ويقول: لقد أخطأنا ونعتذر للأمة. كل ما قالوه، بوقاحة أو ببلاهة، أن: العالم تغير .. وعلينا أن نكون براغماتيين .. علينا أن ننضج .. هل سنحارب مدى العمر؟ .. نعم حصلت أخطاء لكن الثورة مستمرة .. علينا أن نعود إلى الأصل .. لقد عانينا كثيرا وعانى الناس ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت