فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 413

من نظم المعيش والحياة. لذا فهو أقوى وأعلى مرتبة من أي نظام يحتويه، بل وأقوى منها مجتمعة. والحقيقة الثابتة هي أن المجموعات البشرية لا يمكن أن تجتمع إلا على المنافع والمصالح المتبادلة في إطار تصيغه وتحكمه وتوجهه العلاقات السلمية لولا تدخل القوى في التأثير على نمط المعيش. لذا فالمشكلة ليست في وجود النظام بحد ذاته. فهو حاجة إنسانية يمليها الطبع البشري وليس العقائد أو الأيديولوجيات. وكما يقول ابن خلدون فـ «الإنسان مدني بالطبع» . فما الذي يجعله، إذن، متوحشا؟

خارج المراقبة

الإجابة على السؤال تكمن في وجوب التمييز بين «النظام» بمجمله والنخبة التي تسوسه وتديره، أو ما يسمى بـ «النظام السياسي» الحاكم. وبما أن النظام في صيغته الجديدة هو محصلة لتدخلات استعمارية فمن الطبيعي أن يكون النظام السياسي خاضعا لنفس التدخلات. ومع ذلك فالقوى السياسية التي ناهضت النظام السياسي تاريخيا سواء كانت إسلامية أو علمانية كانت تستهدف، على الدوام، «النظام السياسي» وليس «النظام» العام. وهذا الأخير لم يسبق، ولا مرة واحدة، أن تعرض لاستهداف في مشروعيته أو في مشروعية وجوده.

المشكلة تكمن في الكشف عن الخصائص البنيوية للنظام السياسي، والتي هي جوهر استمراريته في السلطة دون منافس يذكر. فالنظام السياسي جرى تصميمه وتشغيله تاريخيا بموجب معادلة ثابتة تجعل منه «هامشا» يدور في «المركز» ولا يحيد عنه. فهو دولة ومجتمعا وسلطة ليس سوى «شأنا داخليا» من شؤون المركز. لذا من العجيب تصور البعض أن يكون «الهامش» مستقلا أو ذا سيادة. وحتى الغرب نفسه، وأعتى مفكريه لا يقولون بهذا. بل أن أحدا لا يقول به إلا نحن العرب. ولقد كان لافتا للانتباه ومثيرا إلى حد الدهشة أن يخرج المفكر الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي معلقا في صحيفة «الجارديان- 5/ 2/2011» البريطانية على وقائع الثورة المصرية وموقف الغرب منها بالقول:

«إن ما يقلق واشنطن ليس «الإسلام المتطرف» بل نزوع دوله إلى الاستقلال ...

أمريكا تولي أهمية ثانوية لطبيعة أي نظام تدعمه في العالم العربي، فالأهم عندها هو السيطرة عليه، ورعايا تلك الدول يتم تجاهلهم حتى يكسروا القيود بأنفسهم».

تصريح هو الأبلغ تعبيرا عن الحالة التي نعيشها في أيامنا هذه، ومن المؤسف أن يصدر عن جهات غربية بينما يجد من يتنكر له، بنفاق واضح، مَنْ هم من بني جلدتنا. لا شك أن الشكل الظاهري للدولة هو الاستقلال. لكن الواقع أن الدول لم تخرج من الاحتلال منذ «سايكس - بيكو» حتى الآن. ولو بدا في بعض الأحايين ثمة مظاهر استقلال وطني أو إرادة سياسية إلا أنها فعليا شكلية لا أثر لها أو مفقودة تماما، أو على الأقل تحت السيطرة والمراقبة الدقيقة والدائمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت